أ.د.أبّشر حسين
في غير المعتاد، خرج أصحاب “الأراكا” مبكّرين قبل دخول صلاة المغرب، حتى بدا على محياهم شيءٌ من الوعي أكثر وضوحًا. وكان السبب الأساسي في خروجهم المبكر أن السماء كانت ملبدة بالغيوم، وقد بدأت ترسل إشارات الهطول؛ فالبرق العبّادي كان يضرب ناحية القِبلة، وتلك كلها علامات تشبه علامات الطَّلْق كمقدّمة للولادة.
وبدأت إجراءات التسلّل هذه المرة على غير العادة، لذلك ظهرت عليهم أمارات الوقار، والمشي بثبات، من غير تلك الرغبة المعتادة في التبوّل على جانب الطريق. حتى الهمهمات الصغيرة اختفت، بينما كان كبيرهم يردّد بصوتٍ خافت: “ارقد يا عيش.. أنا جرابك”.
وعلى جانب الطريق كان يمشي بشير والنقر وهما يتجادلان عن جمع التقديم للمغرب والعشاء، وقد بدأت بواكير المطر.
وكانت الأزقّة حينها تستعد للمطر كما تستعد الأرواح للحنين؛ صمتٌ ثقيل يسبق الانفجار، ورائحة التراب المبتل لم تولد بعد، لكنها كانت كامنة في الهواء، كأنّ المدينة كلها تحبس أنفاسها انتظارًا لأول قطرة.
وكنا وقتها صغارًا في العمر، لم نتجاوز السابعة، نمارس لعبة كرة القدم بكرة الشراب، وكان الشارع مسرحًا مفتوحًا لكل أنواع الحراك الاجتماعي في الحي؛ النساء يتحلّقن أمام البيوت، والرجال يتبادلون الأخبار والنكات، والصبية يركضون حفاةً خلف الكرة، غير آبهين بغبار الأرض أو صراخ الأمهات من بعيد.
وفجأة، ومن غير مقدمات، انفتحت السماء دفعة واحدة، وانهمر المطر بغزارة، حتى بدا وكأنّ أبوابًا خفية في الأعالي قد فُتحت. وتعالى دويّ الرعد بصورة مخيفة، حتى خُيّل إلينا أننا لن نستطيع الوصول إلى بيوتنا، تلك البيوت التي كانت جدرانها تتزيّن بالزبالة الممزوجة بروث البهائم، فتبدو كأنها سواتر واقية تقلّل احتمالات الانهيار.
وبرغم صغر سننا، كنا ندرك أن للمطر في أم درمان هيبةً خاصة؛ فهو ليس مجرد ماء ينزل من السماء، بل قوة قادرة على تبديل شكل الحياة في دقائق. بدأت “السباليق” تفتح أفواهها، مفسحة الطريق للمياه المتجمّعة فوق أسطح البيوت كي تهبط إلى الأرض، فتلتقي بأخواتها في الأزقّة، ثم تتجمّع في خيران صغيرة تنطلق مزهوةً نحو الخور الكبير: خور أبو عنجة.
ولا أزال أذكر ذلك الشعور المختلط بالخوف والدهشة؛ الخوف من سقوط الأسطح، رغم أنها كانت مسنودة بالشُّعَب، والدهشة من ذلك الصوت الهائل للرعد، كأن السماء تخوض حربًا فوق رؤوسنا. وكان كبار الحي، أو “ولاة الأمر” فيه، يمشون وقلوبهم في أيديهم، خوفًا من انهيار بيت هنا أو سقوط جدار هناك، فالأمطار الغزيرة كانت دائمًا امتحانًا عسيرًا لأحياء أم درمان القديمة.
ومع انكسار حدّة المطر شيئًا فشيئًا، تبدأ أصوات الحياة في العودة. تسمع صياح الصغار ممزوجًا بنباح الكلاب وثغاء الماعز، وكأن الجميع يحتج على هذا البلل المفاجئ الذي باغتهم من غير ساتر. وتنبعث من الأرض رائحة المطر؛ تلك الرائحة التي لا تشبه شيئًا آخر، مزيج من الطين والذكريات والطمأنينة القديمة.
وبرغم كل التحذيرات، كنّا نخرج إلى الشارع فور هدوء المطر، ضاربين بها عرض الحائط. كانت الشوارع تبدو كأنها خرجت للتو من معركة؛ بقايا الطين متناثرة، والمياه تشق طريقها في الحفر، والأوراق والأغصان الصغيرة عالقة عند الزوايا. وكنا نجد في ذلك كله متعةً لا توصف، فنركض حفاةً خلف المراكب الورقية، أو نقف نتأمّل السيل الصغير وهو يجرف أمامه كل شيء.
وعندما تكون الأمطار عامة، يمتلئ خور أبو عنجة بالمياه القادمة من ضواحي أم درمان، فيتحوّل إلى كائن حي هادر، يحمل معه الطين والحشائش ومخلفات بيوت قد تهدمت، وأسرار الأحياء البعيدة. وكان منظر الخور وهو ممتلئ يزرع فينا رهبةً ممزوجة بالإعجاب؛ فذلك المجرى الذي يبدو هادئًا معظم أيام السنة، يتحوّل فجأة إلى نهر صغير له صوت وغضب وحضور.
وفي تلك الليالي الممطرة، كانت “الصابرين” تبدو أكثر قربًا من نفسها، قوية بأهلها، وبقدرتها العجيبة على تحويل الخوف إلى حكايات، والمطر إلى ذاكرة لا تشيخ..

Leave a Reply