المحرر الاقتصادي
في شرق السودان، حيث تلتقي الجبال بالبحر الأحمر، ينام النحاس في باطن الأرض منذ ملايين السنين. هذا المعدن، الذي كان يوماً أساساً للثورة الصناعية، وأصبح اليوم مكوناً أساسياً في صناعات المستقبل (الكهرباء، السيارات الكهربائية، الطاقة المتجددة، والصناعات الدفاعية)، ينتظر من يستخرجه ويحوله إلى ثروة تنفع الأجيال القادمة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا تُباع هذه الثروة مقابل 300 مليون دولار فقط، فيما تقديرات قيمتها الحقيقية تفوق ذلك بعشرات المرات؟ ولماذا تحصل الدولة على 30% فقط من الأرباح، بينما تذهب النسبة الأكبر للشركة الأجنبية؟ ولماذا يتم تهميش أهالي المنطقة، الذين يعيشون فوق هذه الثروة دون أن يروا منها شيئاً؟. هذا التقرير محاولة لفهم أبعاد هذه الصفقة، وتحليل تداعياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتقديم رؤية بديلة لضمان استفادة السودان من ثرواته المعدنية بشكل عادل ومستدام.
أولاً: ما هي الصفقة؟ وما هي بنودها؟ وفقاً للمعلومات المتاحة، تتضمن الصفقة:
البند التفاصيل
المدة 30 عاماً
القيمة الإجمالية 300 مليون دولار
حصة السودان 30% من الأرباح (قبل خصم الديون)
الجهة المستفيدة شركة صينية
المنطقة ولاية البحر الأحمر (شرق السودان)
نوع المعدن النحاس
الملاحظات الفورية:
1. المدة طويلة جداً (30 عاماً) مقارنة بحجم الاستثمار المحدود (300 مليون دولار). ففي عقود التعدين العالمية، غالباً ما تتراوح مدة الاتفاقيات بين 15 و25 عاماً، وتكون مرتبطة بحجم الاستثمار والعائدات المتوقعة.
2. نسبة السودان (30%) منخفضة جداً، خاصة إذا قورنت بنسب الدول الأخرى في عقود التعدين. ففي العديد من الدول الأفريقية، تتراوح حصة الدولة بين 40% و60%، وأحياناً تصل إلى 70% في بعض الحالات.
3. خصم الديون القديمة من العوائد هو أخطر بند في الاتفاق. فالسودان يتحمل ديوناً متراكمة (بعضها قد يكون مشكوكاً في صحته أو مبالغاً فيه)، وسيتم خصمها من حصة الدولة في الأرباح، مما قد يقلص العوائد الفعلية إلى ما دون الصفر في السنوات الأولى.
ثانياً: التحليل الاقتصادي – لماذا هذه الصفقة مجحفة؟
أ. قيمة النحاس في السوق العالمية: يُعد النحاس من المعادن الاستراتيجية التي يرتفع الطلب عليها عالمياً، خاصة مع التحول نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية. وتشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على النحاس قد يتضاعف بحلول 2035، مما سيرفع أسعاره بشكل كبير. السودان يمتلك احتياطيات مؤكدة من النحاس في منطقة البحر الأحمر، تقدر بملايين الأطنان. وبيع هذه الثروة مقابل 300 مليون دولار فقط، مع حصة 30%، هو تفريط في ثروة قد تدر على البلاد عشرات المليارات من الدولارات على مدى ثلاثة عقود.
ب. المقارنة مع عقود التعدين في دول أخرى:
الدولة حصة الدولة مدة العقد
الكونغو الديمقراطية 40-60% 15-25 سنة
زامبيا 50-60% 15-20 سنة
تشيلي 50-70% 10-20 سنة
السودان (الصفقة المقترحة) 30% 30 سنة
المقارنة تظهر بوضوح أن السودان يمنح الشركة الأجنبية أفضل الشروط، بينما يحصل على أقل العوائد.
ج. تأثير خصم الديون: المشكلة الأكبر ليست فقط في نسبة 30%، بل في أن هذه النسبة ليست صافية، بل سيتم خصم الديون القديمة منها. وهذا يعني أن العوائد الفعلية للسودان قد تكون أقل بكثير، وقد تصل إلى الصفر في السنوات الأولى من العقد، بينما تبدأ الشركة في جني الأرباح من اليوم الأول.
د. التكلفة على الأجيال القادمة: النحاس معدن غير متجدد. عندما يُستخرج، لا يعود. وبيع هذا المعدن بسعر بخس اليوم، يعني حرمان الأجيال القادمة من ثروة كانت يمكن أن تساهم في نهضة البلاد مستقبلاً. هذا ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو قرار أخلاقي وسياسي بامتياز.
ثالثاً: التحليل السياسي – السيادة والشرعية والمصالح الخارجية:
أ. السيادة الوطنية في مهب الريح: السيادة الوطنية لا تعني فقط السيطرة على الحدود، بل تعني السيطرة على الموارد الطبيعية. وعندما تمنح الدولة لشركة أجنبية حق استخراج ثرواتها لمدة 30 عاماً، مقابل حصة متواضعة، فإنها تتنازل عن جزء من سيادتها.
ب. انفراد الوزير بالقرار: القرارات المتعلقة بالثروات الوطنية، خاصة تلك التي تمتد لعقود، لا يمكن أن تُترك لوزير واحد، مهما كانت كفاءته. يجب أن تكون هذه القرارات جماعية، وتخضع لرقابة برلمانية ومجتمعية.
ج. العقوبات الأمريكية على الشركة: من المفارقات الغريبة أن الشركة الصينية المستفيدة من الصفقة تخضع لعقوبات أمريكية، مما قد يعرض السودان لمخاطر إضافية، خاصة في ظل تعقيد العلاقات السودانية-الأمريكية.
رابعاً: التحليل الاجتماعي – الإنسان أولاً:
أ. إهمال أهالي شرق السودان: سكان شرق السودان، الذين يعيشون فوق هذه الثروة، يعانون من الفقر والبطالة وانعدام الخدمات الأساسية. أي صفقة تعدين لا تأخذ بعين الاعتبار حقوقهم ومصالحهم، هي صفقة ناقصة، بل هي صفقة خطيرة قد تؤدي إلى احتقان اجتماعي وتوترات لا تتحملها الدولة.
ب. الآثار البيئية والصحية: عمليات التعدين لها آثار بيئية وصحية مدمرة إذا لم تُدار بشكل جيد. التلوث، وتلوث المياه، وتدمير الغطاء النباتي، والأمراض الناتجة عن الغبار الكيميائي، كلها مخاطر يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار قبل التوقيع على أي اتفاق.
ج. وعد التنمية: أي صفقة تعدين يجب أن ترتبط بوعود واضحة وقابلة للقياس لتنمية المنطقة: بناء مدارس، مستشفيات، طرق، مياه، كهرباء، وفرص عمل لأبناء المنطقة. غياب هذه البنود يجعل الصفقة مجرد استنزاف، وليس شراكة.
خامساً: خارطة طريق بديلة
1. وقف الصفقة مؤقتاً: يجب تجميد الاتفاق فوراً، وإعادة تقييمه من قبل لجنة وطنية مستقلة تضم خبراء اقتصاد وقانون وتعدين وبيئة وممثلين عن أهالي المنطقة.
2. إعادة صياغة الشروط: رفع حصة السودان إلى 50% على الأقل. وإلغاء بند خصم الديون من العوائد. تقليل مدة العقد إلى 15-20 سنة مع إمكانية التجديد بشروط أفضل. وربط الصفقة بمشاريع تنموية واضحة في المنطقة.
3. الشفافية والمشاركة: طرح المربعات التعدينية في عطاءات علنية وشفافة، تتنافس عليها شركات عالمية متعددة. وتشكيل لجنة وطنية لمتابعة ملف التعدين تضم ممثلين عن جميع الجهات المعنية: وزارة المالية، بنك السودان، وزارة العدل، وزارة الصحة والبيئة، منظمات المجتمع المدني.
4. الاستفادة من مخلفات التعدين (الكرتة): توجد في السودان عشرات الملايين من الأطنان من مخلفات تعدين الذهب (الكرتة)، التي تحتوي على نسبة عالية من المعادن النفيسة، ويمكن استخلاصها بتقنيات حديثة، مما يوفر مليارات الدولارات للخزينة العامة، دون الحاجة إلى عقود طويلة مع شركات أجنبية.
خاتمة: السودان يمر بمرحلة دقيقة في تاريخه. الحرب تدمر البنية التحتية، وتشرّد الملايين، وتنهي الاقتصاد. لكن الثروات الطبيعية لا تزال موجودة. النحاس في شرق السودان، والذهب في كل مكان، والمعادن النادرة في مناطق متعددة. الاستثمار في هذه الثروات، إذا أُدير بشكل صحيح، يمكن أن يكون مفتاح النهضة الاقتصادية للسودان. لكن التفريط فيها، بصفقات غير عادلة، سيكون جريمة في حق الأجيال القادمة. لا يمكن بناء وطن جديد بصفقات تُبرم في غرف مغلقة، ولا يمكن حماية السيادة بثروات تُباع بسعر بخس.

Leave a Reply