عبد الغني كرم الله
فتيات صغيرات، أين يلعبن؟ لا ميدان حقيقيًا في الحلة، ولا ميدان في عقول الناس. لم أشاهد في حياتي بنات يلعبن في ساحة من ساحات ناصر أو الأزهري أو قريتي، بل في أي أفق سعت إليه الخطى.
أي فتاة تمضي في طريقها تواجه آلاف سياط الجهل ونظراته. “العيون أسهم”، كما قال سارتر، لكنها هنا تتحوّل إلى محاكم تفتيش يومية. فبدلًا من أن تكون المشية ملهمة، كما وصفها الشابي: “خطوات سكرانة بالأناشيد وصوت كرجع ناي بعيد”، يصبح الجسد والروح معًا هدفًا لنظرات ملتوية وفقيرة جماليًا وإنسانيًا.
قيل إن “عرق التدريب يقلّل دماء المعركة”، وإن غياب التدريب المبكّر يزيد من خسائرها. فالمهارة ليست مجرد حركة جسد، بل أعصاب ذهنية وقدرات تتشكّل منذ الطفولة. والطفل عاشق للحركة منذ وجوده في الرحم، بينما ظلت المرأة في مجتمعاتنا سجينة مفاهيم أشد قسوة من جدران السجون.
لا شك أن هناك فتيات موهوبات، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. ففساد الاختيار، والمحسوبية، وغياب التخطيط، كلها عوامل تقتل الحلم قبل أن يولد. وما جرى في كثير من ملفات الرياضة السودانية يتكرّر هنا بصورة أكثر إيلامًا. فحين تُمنح الفرص على أساس الولاء لا الكفاءة، تصبح الهزيمة نتيجة طبيعية.
لا توجد بيئة رياضية متكاملة. بل إن بعض دوائر الرأي العام ما زالت تحاصر المرأة في صوتها ووجهها وحركتها، ناهيك عن مشاركتها الرياضية. لذلك فإن الأزمة أعمق من نتيجة مباراة أو عدد أهداف. إنها أزمة وعي وثقافة وبنية تحتية ورؤية للمستقبل.
وكما قال برنارد شو: “ليس هناك طالب ذكي وآخر بليد، بل توجد بيئة ذكية وبيئة بليدة”. وهؤلاء الفتيات يدفعن اليوم ثمن بلادة البيئة الرياضية والتربوية والإدارية التي أحاطت بهن.
لذلك فإن المطلوب ليس الغضب من اللاعبات، بل مراجعة الواقع كله. فالموهبة تحتاج إلى رعاية، والتدريب يحتاج إلى مؤسسات، والنجاح يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي. وبمقدور أي جسد أن يبلغ أقصى إمكاناته إذا وجد التدريب والغذاء والخيال الخلاق.
معذرة أيتها الفتيات..
فأنتن لستن سبب الهزيمة، بل ضحايا تراكمات طويلة من الإهمال والفساد وسوء الإدارة. لقد أُلقيتن في اليم مكتوفات الأيدي، ثم طُلب منكن ألا تبتلن بالماء.
ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا. فالنور لا يُدفن، كما قال ود الرضي. والثورة على التخلّف والفساد تبدأ من الإيمان بالإنسان، رجلًا كان أو امرأة، ومن تحرير المواهب الكامنة في العقول والأجساد.
إن فساد الاختيار ليس مشكلة كرة القدم وحدها، بل هو آفة تمتد إلى التعليم والإدارة وسوق العمل. فحين نفرض على المواهب ما لا يشبهها، فإننا نقتل الإبداع ونبدّد الطاقات، كمن يحاول تحويل شجرة مانجو إلى شجرة جوافة. إنها جريمة في حق الطبيعة والحياة معًا.
لذلك فإن هزيمة منتخب السيدات ليست مجرد خسارة رياضية، بل مرآة تعكس خللًا عميقًا في المجتمع والدولة. وإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا، فعلينا أن نبدأ من الجذور: من المدرسة، ومن الميدان، ومن احترام حق الفتاة في الحلم والحركة والنجاح.
فليس ذنبهن..
لقد دفعن ثمن فشل الدولة والمجتمع.

Leave a Reply