التشكيلي محمد أنور كوجاك لـ “الملف الثقافي”:

صحيفة الهدف
  • «هويتنا البصرية مشروع متجدد يُعاد اكتشافه باستمرار.»
  • «الذكاء الاصطناعي قد يساعد الفنان في البحث والتجريب، لكنه لا يستطيع أن يختبر الألم أو الحلم أو الذاكرة.»
  • «مستقبل الفن التشكيلي يعتمد على اعتباره ضرورة ثقافية لا نشاطاً هامشياً.»حوار: محمد حماد عبدالمنعم

مقدمة الحوار:

محمد أنور محمد (كوجاك)، فنان تشكيلي شاب من مدينة الأبيض، تخرّج في كلية التربية الفنية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. بدأت علاقته بالفن منذ سنواته الأولى عبر رسم الوجوه والشخصيات، قبل أن تتطوّر تجربته أكاديمياً من خلال دراسة الرسم والتلوين والنحت، والمشاركة في الورش والمعارض الفنية.

ورغم تخصّصه الأكاديمي في النحت، ظل الرسم والتلوين المجال الأقرب إلى اهتمامه وشغفه، حيث يواصل تطوير تجربته عبر التجريب في الخامات والأساليب المختلفة. وتتمحور جلّ أعماله حول الإنسان وحالاته الشعورية، مع اهتمام خاص بالوجوه، المرأة، الهوية، والقضايا الإنسانية والاجتماعية، كما تتناول لوحاته موضوعات السلام، نبذ خطاب الكراهية، الصحة النفسية، وقضايا الطفل.

في هذا الحوار الحميم، يتحدّث كوجاك لـ “الهدف” عن بداياته الفنية، ورؤيته لدور الفن التشكيلي في التعبير عن الواقع ومقاومته، وواقع الحركة التشكيلية السودانية اليوم، وعلاقة الفن بالهوية، إلى جانب آرائه الجريئة حول تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مستقبل الإبداع والفنون البصرية.

حوار: محمد حماد عبدالمنعم

كيف تشكّلت علاقتك الأولى بالفن التشكيلي؟ وما المحطات التي أسهمت في بناء تجربتك الفنية والإنسانية؟

بدأت علاقتي بالفن منذ مرحلة التعليم الأساسي، حيث كنت شغوفاً برسم الوجوه والشخصيات الكرتونية والصور المنشورة في الكتب والمجلات والصحف. وجدت تشجيعاً كبيراً من أسرتي، وكان لوالدي دور مهم في دعم موهبتي وتوجيهها في تلك السن المبكرة.

وفي المرحلة الثانوية، تعزّز اهتمامي بالفن من خلال دراسة مادة الفنون بمدرسة إسماعيل الولي الثانوية بمدينة الأبيض. أما المرحلة الجامعية فكانت المحطة الأهم في صقل تجربتي الفنية؛ إذ درست أساسيات الرسم والتلوين والنحت، وشاركت في الورش والمعارض والرحلات الميدانية. ورغم تخصّصي اللاحق في النحت، ظل الرسم والتلوين شغفي الأساسي، وما زلت أواصل التعلّم والعمل الدؤوب لتطوير أدواتي الفنية.

إلى أي مدى يمكن للفن التشكيلي أن يكون أداةً لمقاومة الواقع الاجتماعي والسياسي ومساءلة قضاياه؟

الفن التشكيلي أداة فعّالة للغاية في مقاومة الواقع السلبي، ومحاربة خطاب الكراهية والعنصرية، لما يمتلكه من قدرة فريدة على التأثير في الوعي والمشاعر الإنسانية. الفنان الحقيقي يعكس من خلال أعماله معاناة الناس وأحلامهم وقضاياهم اليومية، ويحوّل العمل الفني إلى مساحة حرة للحوار والتأمّل. كما أن الصورة واللون والرمز تمنح الفن لغة عالمية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية لتصل إلى أوسع شرائح المجتمع.

كثيراً ما يُقال إن اللوحة انعكاس لذات الفنان وللعالم من حوله. كيف تنجح في تحويل التفاصيل اليومية والأحداث الكبرى إلى لغة بصرية يفهمها المتلقي؟

لدى الفنان رغبة دائمة ومستمرة في التعبير عن انفعالاته الشخصية ومشاركة رؤيته الخاصة للعالم، كما ينشغل بعمق بقضايا مجتمعه وتحوّلاته الكبرى. شخصياً، أنا مهتم برسم “الشعور” والحالة الإنسانية بمختلف تجلياتها الصعبة والجميلة، وأعتمد في أعمالي على أسلوب “الواقعية التجريدية”؛ حيث أُبقي على ملامح من الواقع مألوفة للمشاهد، مع ترك مساحة من التجريد تسمح للمتلقي بالمشاركة في تأويل العمل، وإكمال اللوحة بخياله وتجربته الخاصة.

في ظل تعقيدات الواقع وتداخل أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، هل يستطيع الفنان تبسيط هذه القضايا دون أن يفقدها عمقها الفكري؟

بالتأكيد، فالفنان المتمكن قادر على تبسيط أعقد القضايا من خلال اختيار أساليب ووسائط بصرية أكثر قرباً من الجمهور العريض وتفاعلاً معه، مثل: الجداريات العامة، الكاريكاتير، والقصص المصورة. هذه الوسائط تحديداً تمتلك قدرة اختراقية كبيرة على إيصال الرسائل العميقة بوضوح تام، ودون أي إخلال بجوهر الفكرة أو دلالاتها الفلسفية.

هناك من يرى أن الفن سلاح ذو حدّين؛ يمكن أن يكون أداة للتنوير كما يمكن أن يُستخدم للتضليل. إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟

أتفق مع هذا الطرح تماماً. الفن طاقة تعبيرية هائلة؛ يمكن أن يسهم بقوة في نشر الوعي، وتعزيز قيم السلام والتعايش السلمي والتفكير النقدي، لكنه في المقابل قد يُستغل كأداة للدعاية الموجهة، أو تزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام لخدمة أجندات معينة، وكل ذلك يعتمد في النهاية على طبيعة الرسالة التي يحملها الفنان والغاية الأخلاقية التي يُسخّر فنه لأجلها.

كيف تقرأ واقع الفن التشكيلي السوداني اليوم في ظل الظروف الراهنة؟ وما أبرز التحدّيات التي تواجه الفنانين في الداخل والخارج؟

يواجه الفن التشكيلي السوداني اليوم تحديات معقدة ووجودية، من أبرزها ضعف الدعم المؤسسي والثقافي الرسمي، وغياب آليات التوثيق المنهجي والتسويق الاحترافي للأعمال، إضافة إلى الظروف الاقتصادية القاسية الناتجة عن الحرب والتي تؤثّر بشكل مباشر على استمرارية الفنان وقدرته على الإنتاج واقتناء المواد.

أما خارج السودان، فرغم توافر فرص أكبر أحياناً في الفضاءات الإقليمية والدولية، إلا أن الفنان السوداني تواجهه تحديات شاقة تتعلق بالاندماج المهني، بناء شبكات علاقات فنية جديدة، وتحصيل فرص عرض وترويج عادلة تعكس قيمته الحقيقية.

يمتلك السودان إرثاً بصرياً وثقافياً غنياً ومتعدّداً. هل نجح الفن التشكيلي السوداني في التعبير عن هذه الخصوصية وتقديمها للعالم؟

إلى حد كبير نعم. فقد نجحت الأجيال المتلاحقة من الفنانين السودانيين في استلهام تفاصيل البيئة المحلية؛ كالأسواق الصاخبة، القرى، المدن المتنوعة، الشخصيات السودانية بملامحها المميزة، الأزياء التقليدية، التراث الشعبي الشفاهي، والأساطير المحلية. هذا الاستلهام الذكي أسهم في صياغة ملامح واضحة للهوية الثقافية السودانية وتقديمها بعبقها البصري الخاص إلى العالم.

كثيراً ما يُثار الحديث عن تراجع حضور الفن في الوعي العام الجمعي. كيف يمكن إعادة تعريف مفهوم الفن في المخيلة الجمعية للسودانيين؟

يمكننا تحقيق ذلك من خلال فك عزلة الفن النخبوية وربطه مباشرة بالحياة اليومية وقضايا الشارع والمجتمع. يتطلب ذلك تعزيز حصص التربية الفنية في المدارس وتطوير مناهجها، دعم وتشجيع الفنون المرتبطة بالحرف والتراث السوداني، إلى جانب توثيق التجارب الفنية الكبرى وإتاحتها مجاناً وسهلاً للجمهور عبر المعارض المفتوحة والمنصّات الرقمية التفاعلية.

للفنون دور أساسي في تشكيل الهوية البصرية للشعوب. هل ما زالت الهوية البصرية السودانية حاضرة في أعمال التشكيليين المعاصرين؟

نعم، هي حاضرة وبقوة من خلال استدعاء عناصر التراث، الأزياء الشعبية، البيئات المحلية، وتنوع الجغرافيا السودانية الممتدة. لكنني أرى أن هذا الحضور يحتاج إلى مزيد من البحث النظري والاجتهاد العملي لإعادة اكتشاف هذه الهوية وتطويرها بصرياً بما ينسجم مع التطور التقني وروح العصر المعاش، دون السقوط في فخ التكرار التقليدي.

شهد العالم في السنوات الأخيرة تحوّلات تقنية هائلة، أبرزها صعود أدوات الذكاء الاصطناعي. كيف تنظر كفنان إلى تأثير هذه التقنيات على الفن التشكيلي؟

أرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مساعدة ممتازة للفنان في مجالات البحث، توليد الأفكار الأولية، واستكشاف التكوينات اللونية وهندسة الفراغ بسرعة. لكنه -مهما بلغ تطوره التقني- لا يستطيع أن يكون بديلاً بأي حال من الأحوال عن “التجربة الإنسانية الذاتية”؛ فالآلة لا تملك وعياً، ولا تستطيع أن تختبر مشاعر الألم، أو الحلم، أو الذاكرة، وهي العناصر الروحية التي تشكّل جوهر الإبداع الفني الحقيقي.

هل يمثّل الذكاء الاصطناعي تهديداً وجودياً للفنان التشكيلي أم أنه يفتح فرصة جديدة؟

أراه فرصة ذهبية أكثر من كونه تهديداً، شريطة أن يتم استخدامه بوعي بوصفه “أداة خادمة” للعمل الإبداعي وليس موجهاً له. أما الاعتماد الكامل والكسول عليه، فسيؤدي حتماً إلى نمذجة الفن، وإضعاف الخيال الشخصي، وإماتة التجربة الذاتية الحية اللذين يمثلان عماد وأساس العملية الفنية برمتها.

ما رؤيتك لمستقبل الفن التشكيلي السوداني؟ وما الرسالة التي تود توجيهها للأجيال الجديدة من المبدعين؟

رغم قتامة الظروف والتحديات الراهنة التي تمر بها بلادنا، إلا أنني أؤمن بعمق بأن مستقبل الفن التشكيلي السوداني واعد ومليء بالبشارات، بشرط أن تتأسس بيئة وطنية أفضل للعرض، التوثيق، والدعم الثقافي المؤسسي.

رسالتي للأجيال الجديدة من الشباب المبدعين هي: واصلوا التعلّم الأكاديمي والتدريب الذاتي بلا توقف، تمسّكوا بالقواعد والأساسيات المتينة للفن قبل الانطلاق للتجريب، واجهوا التحديات بالصبر، واستفيدوا بذكاء وانفتاح من تجارب الآخرين؛ لأن الإبداع الحقيقي لا يولد فجأة، بل هو ثمرة الصبر والمثابرة والعمل المستمر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.