د.الشيخ فرح
أخذ الناس يتوافدون إلى المسجد الكبير الواقع في سوق المدينة، والمؤذن بصوته الندي يملأ المكان خشوعًا وسكينة. وقف عند الباب الأوسط للمسجد رجلٌ هزيل الجسد، رثّ الثياب رغم نظافتها، يحمل صفيحة صغيرة وضعها بجانب الأحذية، ثم خلع نعليه ووضعهما إلى جوارها قبل أن يدخل بهو المسجد برجله اليمنى مسمّيًا الله.
اختار مكانا إلى جوار العمود الأوسط، وصلّى ركعتين، ثم أخرج مسبحته وأخذ يهمهم بصوت أقرب إلى الهمس: سبحان الله وبحمده.
لم ينتبه إلى وقوف كامل بمحاذاته بملابسه الأنيقة وملفحته المشجّرة العريضة ورائحة عطره القوية التي غطّت المكان. نظر كامل بتأفّف وكِبر إلى ملابس الرجل النحيف الرثّة، وكانه يلومه على الحضور إلى المسجد بهذه الهيئة.
لم يكترث الرجل النحيف بنظرات كامل المحتقرة، وواصل تسبيحه في خشوع وتذلل. أنهى كامل ركعتي تحية المسجد واستند إلى العمود مغمضًا عينيه.
كان الوقت لا يزال مبكرًا على الإقامة، وكانت مروحة السقف ترسل هواءً باردًا رغم صريرها المسموع. استسلم كامل لنعاس شديد داهمه دون أن يترك له سبيلًا للمقاومة. حاول دفع النعاس بكل قوة، لكنه تسلّل إلى عينيه هادمًا كل أسلحة مقاومته، فأخذ يغمض عينيه حينًا ويفتحهما بصعوبة حينًا آخر.
نظر كامل إلى الرجل النحيف نظرة ثانية حشد فيها كل الاحتقار واللوم لهيئته وملابسه، ثم التفت إلى الناحية الأخرى كانه يمحو الصورة التي التقطتها عيناه من مخيلته.
وبينما هو غارق في هذا النعاس، ألقى نظرة أخيرة على الرجل النحيف، ثم أسند رأسه إلى جدار العمود. مرّت دقائق معدودة، بعدها أحسّ ببطنه تتحرّك بصوت مسموع.
أخذ يشعر بألم حاد كالسكين في بطنه، يزداد بسرعة مطردة، تصاحبه تقلّصات شديدة وإحساس لا يستطيع تجاهله أو دفعه بأنه لا محالة سيصاب بإسهال في المسجد. ازداد الوجع، ولم يعد يفصله عن الكارثة سوى حركة أو كلمة، حتى خاف إن قام من مكانه أن يفقد السيطرة على نفسه.
التفت ناحية الرجل النحيف، فوجده ينظر إليه بعطف شديد. ومن دون أن يتكلّم، فتح الرجل كُمّ جلبابه، فرأى كامل داخل الكُم المفتوح حمّامًا واسعًا يلمع من شدة نظافته.
قال له الرجل النحيف هامسًا: ادخل.
زحف كامل بحذر شديد، ودخل إلى كُمّ الرجل النحيف، فقضى حاجته في الحمام، وغسل يديه بالصابون السائل، ثم توضأ وتعطّر، وخرج زاحفًا بالطريقة نفسها التي دخل بها، وعاد إلى مكانه عند العمود، بينما كان الناس يغادرون المسجد.
تلفّت يبحث عن الرجل النحيف، الذي خرج مسرعًا من باب المسجد. ركض كامل خلفه، ولما وصل إلى الباب رآه في بداية طريق الخروج من المسجد يمشي بخطوات واسعة.
ركض خلفه عبر طرقات السوق، ثم إلى الحي المجاور للسوق، فالحي الذي يليه، حتى وصل إلى حي شعبي في طرف المدينة.
توقف الرجل النحيف أمام أحد البيوت وطرق الباب. خرجت امرأة طويلة، فأمسكت بخناقه وهي تهزه بعنف وتصرخ في وجهه: ليه تأخرت؟
أخذت منه الصفيحة وضربته بها على ظهره، ثم رفعتها لتضربه مرة أخرى، فأمسكها كامل قبل أن تهوي بها على صدر الرجل النحيف، وقال لها محذرًا: إنتِ عارفة الزول ده؟
قالت له وهي تنهره بصوت عالٍ: أسكت! ولا كلمة.. إنت عشان دخّلك الحمّام؟
وهوت بالصفيحة على رأس كامل، فتفاداها في آخر لحظة، لكن رأسه ارتطم بالعمود الأوسط الذي كان متكئًا عليه في المسجد، فأفاق من نومته على صوت المؤذن وهو يقيم الصلاة.

Leave a Reply