عينة الطرفة: محجوب كبلو

صحيفة الهدف

هذا المنشور ضمن برنامج (عينة الطرفة) الذي تقدّمه مؤسسة الفال الثقافية، ويُعنى بالاحتفاء بصُنّاع الأثر في السودان. شكرًا وامتنانًا لما قدموه وما يزالون يقدّمونه. لماذا (عينة الطرفة)؟ لأنها عروس الخريف وعموده الفقري.. إذا صلحت، صلح الموسم كله. وكذا صُنّاع الأثر.. وجودهم بشارة خير لمجتمعنا وعموده الفقري..

محجوب كبلّو..
سكرتير الحقول.. ومروِّض النثر في الشعر
إذا كان الشعر في السودان قد اعتاد الوقوف طويلًا على منصّات القافية والوزن، فإن محجوب كبلّو اختار أن يمشي في الحقول حافيًا من القيود، مرتديًا سترة قصيدة النثر ببراعة من يعرف سرّ النواة قبل نضوجها.
ومحجوب كبلّو “صنائعيّ” ماهر في ورشة اللغة. يكتب بوصفه ممارسًا للجهد المنهجي، بعيدًا عن الكسل الذهني والاستسهال. وقصيدته التي تخرج من هذه الورشة هي مزيج مركّب من الواقع بتفاصيله اليومية الملموسة، والتصوف بروحانيته الشفيفة التي تتسرّب إلى ثنايا المعنى، ثم المكان الذي يسكنه ويسكن فيه.
وعندما كان الآخرون يكتفون بوصف الزهر، كان كبلّو يحرّر محاضر (سكرتير الحقول)، فاتحًا الباب أمام جيل كامل ليرى في قصيدة النثر أفقًا لا يقل شموخًا عن أفق القصيدة العمودية. ولم يكتفِ بذلك عبر الخلق الإبداعي وحده، بل ارتدى أيضًا عباءة الناقد، يفكّك بنية الشعر والثقافة، ويسهم في صياغة المشهد الثقافي السوداني برؤية ثاقبة وعين لا تخطئ الجمال.
وهذه محبتنا نهديها لرجل أعطى الحرف عمره، وعلّمنا في نصوصه أن المحبة والصدق الفني هما المنجاة الوحيدة.
ومحجوب كبلّو، في وجداننا، صوت يرفّ فوق تنهدات الجرّة عند أثر شفة الماء؛ يكتب ليبقى، ويجتهد في النقد ليرتقي، ويظل ذلك الاسم الكبير الذي جعل من النثر السوداني قصيدةً يتغنى بها الوجدان.

في سيرة محجوب كبلّو: مهندس قصيدة النثر السودانية
يُعد محجوب كبلّو واحدًا من أبرز شعراء الحداثة في السودان، ومن الأسماء المؤسّسة لقصيدة النثر السودانية منذ بداياتها المبكّرة في سبعينيات القرن العشرين. ارتبط اسمه بجماعة (الغجر) التي أصدرت عام 1971 بيانًا شعريًا مثّل أحد أهم الإعلانات المبكرة لميلاد قصيدة النثر في السودان، واضعًا نفسه في مواجهة مباشرة مع الذائقة الشعرية التقليدية السائدة آنذاك.
وُلد كبلّو في أم درمان، ونشأ في بيئة سودانية ثرية بالتنوّع الثقافي واللغوي، وهو ما انعكس بوضوح في تجربته الشعرية التي استلهمت تفاصيل الحياة اليومية والبيئة المحلية، وأعادت صياغتها ضمن رؤية حداثية مفتوحة على الفلسفة والتصوّف والأسطورة والسريالية. وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ظل وفيًا لمشروعه الشعري، منجزًا تجربة خاصة تقوم على الاقتصاد اللغوي، وكثافة الصورة، والبحث الدائم عن الدهشة والمعنى.
يرى كبلّو أن الشعر ليس زخرفة لغوية ولا خطابًا مباشرًا، بل فعل معرفة وكشف روحي، لذلك انشغل بابتكار لغة شعرية جديدة تتجاوز المألوف وتعيد بناء العلاقة بين الكلمة والواقع. ومن أشهر آرائه أن الشاعر الحقيقي يسعى إلى “ابتداع لغة يستحيل الكذب بواسطتها”، وهي رؤية تكشف إيمانه بالشعر بوصفه بحثًا عن الحقيقة الإنسانية العميقة لا مجرد صناعة جمالية.
كما عُرف بدفاعه المستمر عن قصيدة النثر بوصفها شكلًا شعريًا مكتمل الشرعية، مؤكدًا أن الشعر لا يُقاس بالوزن والقافية وحدهما، بل بقدرته على خلق الدهشة وإنتاج المعنى وتوسيع أفق اللغة. وقد رفض النظرة التي تحصر الشعر في الأشكال العروضية التقليدية، معتبرًا أن الحداثة الشعرية تعبير عن تحولات الوعي والإنسان والعالم.
إلى جانب الشعر، أسهم كبلّو في النقد الثقافي والفكري، وكتب مقالات ورؤى تناولت قضايا الأدب والحداثة والهوية والثقافة السودانية. ويُنظر إليه بوصفه أحد الأصوات التي أسهمت في ترسيخ مكانة قصيدة النثر في السودان، ليس فقط عبر الكتابة، بل أيضًا عبر التأمل النقدي والدفاع الفكري عن مشروع الحداثة الشعرية.
ومن أبرز أعماله ديوان (سكرتير الحقول) الذي يُعد علامة بارزة في الشعر السوداني الحديث، إضافة إلى نصوص ودواوين أخرى رسّخت حضوره كصاحب معجم شعري خاص ورؤية جمالية متفردة. وقد وصفه عدد من النقاد بأنه شاعر يمتلك قدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مشاهد شعرية مدهشة، وأن تجربته تمثل أحد أهم الاستثناءات الخلّاقة في تاريخ الشعر السوداني المعاصر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.