من مذكرات محامٍ تحت التمرين: د.أبو حريرة.. المقاضاة في نظام سياسي وقانوني حر

صحيفة الهدف

د.أبوذر الغفاري بشير

بعد فترة ليست طويلة من اجتيازي امتحان تنظيم مهنة القانون “المعادلة”، أتيحت لي فرصة الولوج إلى مهنة المحاماة، ومحاولة اكتساب المعرفة العملية في إعداد الدعاوى، ومتابعة إجراءات المحاكم، والترافع أمامها، والاغتراف من فنون المهنة. وكان من حسن حظي أن التحقت محاميًا تحت التمرين بمكتب د.محمد يوسف أبو حريرة، الذي أسّسه بالاشتراك مع صلاح عثمان أبو زيد.
وكان المكتب حديث العهد نسبيًا، إذ أُنشئ فعليًا بعد خروج د.أبو حريرة من وزارة الصادق المهدي الأولى التي تشكّلت عقب انتفاضة أبريل 1985.
انضم أبو حريرة إلى حكومة السيد الصادق المهدي وزيرًا للتجارة، ممثلًا للحزب الاتحادي الديمقراطي، وكان أحد الوجوه الشابة في تلك الحكومة، بعد تجربة معتبرة في التدريس بكلية القانون في جامعة الخرطوم. وقد اشتهر بالصرامة والانضباط في أدائه المهني وعمله الأكاديمي. ورغم أنني لم أتشرّف شخصيًا بأن أكون أحد طلابه في قاعات الدراسة، فإنني عاصرته في الكلية وهو يدرّس الدفعات التي سبقتنا، وكانت سمعته الطيبة تملأ أرجاء الجامعة.
كما شارك مدافعًا في عدد من قضايا حقوق الإنسان، ومن بينها محاكمة البعثيين التي ترأسها القاضي المكاشفي طه الكباشي، والتي تحوّلت إلى محاكمة فكرية للفكر البعثي. وكنا، نحن وعدد من طلاب كلية القانون، نحرص على حضور جلساتها في مجمع محاكم أم درمان ومتابعة وقائعها باهتمام.
لم تتوافق السياسة التي انتهجها د.أبو حريرة وزيرًا مع مجمل النهج الذي اتبعته حكومته، كما تعارضت مع مصالح عدد من الفئات النافذة، وعلى وجه الخصوص طائفة التجار المعروفة بدعمها للحزب الاتحادي الديمقراطي. فقد سعى إلى اتباع سياسات تهدف إلى كسر الاحتكارات الضارة وتفكيك الطوق الذي أراد أصحاب النفوذ إحكامه على الأسواق.
ومن أمثلة ذلك فتحه باب استيراد الخراف من أستراليا بعد الارتفاع الكبير في أسعارها داخل السودان، وهو ارتفاع رأى أنه لا يعكس سوى رغبة بعض التجار في تحقيق أرباح طائلة دون مبرّر موضوعي. كما سعى إلى توحيد الأسعار قدر الإمكان، وجعل السلع متاحة للجمهور دون تضخيم غير مبرر للأرباح.
وقد أثارت هذه السياسات غضب كثيرين ممن تضرّرت مصالحهم، فشُنّت عليه حملة إعلامية واسعة في بعض الصحف، قادها عدد من كتّاب الأعمدة الراتبة. وانتهى الأمر بحل السيد الصادق المهدي للحكومة وتشكيل حكومة جديدة لم يكن د.أبو حريرة جزءًا منها.
بعد خروجه من الوزارة، رفع أبو حريرة دعاوى عديدة ضد الصحف والكتّاب الذين تناولوه بالنقد والتجريح، ومن بينها صحيفة (السياسة) التي كان يرأس تحريرها اخالد فرح، والتي نالت النصيب الأكبر من تلك الدعاوى، إذ رأى أن بعض كتّابها قد أساؤوا إلى سمعته دون وجه حق.
وحين انضممت إلى المكتب، أوكل صلاح عثمان إليّ وإلى زميلي محمد خير (البيز) مهمّة متابعة هذه القضايا تحت إشرافه المباشر. وكانت مهمّة شاقة وممتعة في آنٍ واحد. فقد كان يمثّل صحيفة (السياسة) المحامي عبد الوهاب (بوب)، وهو من قدامى المحامين المعروفين بالحنكة والخبرة في أروقة المحاكم، وكان حريصًا على متابعة هذه القضايا بنفسه.
عملت خلال تلك الفترة على إعداد المذكرات الأولية ومتابعة المستندات وتجهيز الملفات حتى مرحلة السماع. وكان المكتب يقع في عمارة ساكتا على مقربة من مباني محكمة الخرطوم شمال القديمة، الأمر الذي جعل وجودنا في المحكمة شبه يومي. وقد أكسبتنا تلك المرحلة معرفة عملية جيدة بإجراءات التقاضي المدني والجنائي.
وقبل أن تصل هذه الدعاوى إلى مرحلة السماع، كنت قد غادرت مكتب أبو حريرة وصلاح عثمان، محاولًا الاستقلال في ممارسة مهنة المحاماة، غير أن صلتي بالمكتب لم تنقطع.
وعلمت لاحقًا أن د.أبو حريرة تنازل عن هذه الدعاوى بعد انقلاب الإنقاذ عام 1989، تفويتًا للفرصة على السلطة الجديدة لاستغلالها سياسيًا. وقد أشار السيد الصادق المهدي إلى هذه الواقعة في نعيه لأبو حريرة بقوله: “في عهد الديمقراطية كان الفقيد أبو حريرة قد رفع قضية ضد إحدى الصحف، وعندما انعقدت المحكمة للنظر فيها كان انقلاب 30 يونيو قد أسقط النظام الديمقراطي وأقام نظامًا بديلًا. وكان رئيس تحرير الصحيفة قد طلبني شاهد دفاع دون أن يخبرني، وكنت حينها في السجن. وقد أرادت سلطات النظام الجديد أن تجعل من المحاكمة وسيلة لمهاجمة رجال النظام الديمقراطي، فوافقت على ذهابي إلى المحكمة للشهادة، وأُعدّ المسرح في محكمة الخرطوم بحري لمواجهة كلامية بيني وبين الفقيد، لكنه فوّت عليهم الفرصة بقوله: لقد تغيّرت الظروف التي قدمت فيها بلاغي، ولذلك أسحب الدعوى من أساسها”.
رحم الله د.محمد يوسف أبو حريرة. الذي مرت قبل فترة قصيرة الذكرى السنوية لرحيله. فلم يكن مجرد متقاضٍ يسعى إلى إثبات حق شخصي، بل كان صاحب مبدأ وخلق، رأى أن حماية النظام الديمقراطي وتفويت الفرصة على المغامرين السياسيين والعسكريين للنيل منه، أولى من الانتصار لحقه الخاص.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.