الدين لا يحتاج إلى وكلاء سياسيين

صحيفة الهدف

✍🏽 خالد ضياء الدين

الدين والسياسة: إشكالية التوظيف وحدود الفصل:

عشان الأمور تكون واضحة والكلام ما يتشتت، وعشان الناس تحسم موضوع العلمانية وفصل الدين عن الدولة أو تنزيه الدين من ألاعيب السياسة والسياسيين التجار، أو بمعنى أدق كل زول يفرش الصارية ويعرض بضاعته السياسية بعيداً عن أي قدسية دينية، لأنه الناس عادي بتختلف في السياسة لكن ما مفترض تختلف في الدين. لذلك كل حزب عنده فهم اقتصادي واجتماعي يطرحه للنقد، أما إذا قدمته باعتباره فكراً دينياً أو حلاً إسلامياً، معناها إذا اختلفت معاك بختلف مع الدين، علماً بأن الدين مفترض يجمع ولا يفرق، يوحد ويدعم التوافق.

نحن كمسلمين وعرب مستحيل نقلع جلدنا الإسلامي، لكن في نفس الوقت لازم نفهم أن الخلط بين الدين والسياسة بيخلق إشكالات كبيرة، ويخلي أي اختلاف سياسي يتحول لاختلاف ديني. السياسة مجال اجتهاد ونقاش، والدين مجال قيم وثوابت ومرجعية أخلاقية، وما المفترض يتم استخدامه كغطاء للصراع السياسي.

الدين ما نهانا عنه لا قانون وضعي ولا فكرة ممكن تهد أركانه، ولا مواثيق دولية ولا أفكار وقوانين وضعية، وبرضو لازم نفهم أن الدين فتح باب الاجتهاد، وأنه مرن بحيث يستوعب متغيرات المجتمعات والظروف وتطور الإنسان فكراً وممارسة، لذلك ما في تعارض بين الثوابت الدينية وبين التطور في إدارة شؤون الحياة.

الدعوة للعلمانية بمعنى فصل الدين عن الحياة (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) في تقديري فهم قاصر للواقع، لكن في المقابل الدولة المدنية التي تضع الجميع في خانة واحدة بمختلف أديانهم وتعطي المواطن حقه في العمل وتساويه في الحقوق والواجبات، دي حاجة مرحب بها.

أما الحديث عن “الدولة الدينية” التي تضع الناس درجات وتمنح امتيازات على أساس الدين، فده طرح مرفوض، لأن الدين في أصله ما فرق بين الناس كمواطنين. والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام تعامل مع غير المسلمين بيعاً وشراءً ومعاهدات، وعاش بينهم من لم يؤمن به ولم يحاربه في إطار من العدل والمعاملة الحسنة.

استلف الرسول من يهودي، ورهن درعه عند غير المسلمين، وتعامل مع مختلف الفئات، ودي كلها شواهد على أن العلاقة كانت قائمة على الحقوق والمعاملات لا على الامتيازات الدينية. وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه لما رأى يهودياً عجوزاً يطلب الصدقة، قرر له مرتباً ثابتاً من بيت مال المسلمين، باعتباره مواطناً له حق في مال الدولة.

الدين عبادة وعلاقة بين الإنسان وربه، وفي نفس الوقت هو خطوط عريضة لترتيب الحياة الاجتماعية قابلة للاجتهاد والتطور. لكن المشكلة تظهر عندما يعتقد البعض أنه امتلك الفهم النهائي للدين، ويبدأ في احتكار الحقيقة، سواء كان رجل دين أو سياسي. هذا النوع من التفكير غالباً يقود إما للتطرف أو لاستغلال الدين لأغراض دنيوية.

السياسة خشم بيوت، والأفكار قابلة للأخذ والرد. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم تقديم أي طرح سياسي على أنه “حكم الدين”، لأن ذلك يقفل باب الحوار ويجعل الاختلاف وكأنه خروج عن الدين نفسه. لذلك الأفضل أن يقال: هذا فهمي السياسي، لا أن يقال هذا هو الدين.

لو كل حزب طلع فكر مختلف وكل واحد قال دا فهم الدين، بنكون حولنا الدين لمجرد لافتات سياسية متعددة الألوان، مرة اشتراكي ومرة رأسمالي ومرة صوفي ومرة سني، وبهذا نكون ساهمنا في إضعافه بدل تقويته، واستخدمناه في صراعات سياسية ضيقة.

ونحن لو راجعنا تجربة توظيف الدين في السياسة، سنجد أن كثيراً من الحركات السياسية عندما تفشل في تقديم برامج مقنعة تلجأ إلى تغطية ذلك بقداسة الدين، ثم لاحقاً تضطر إلى مراجعات فكرية بعد أن تدفع المجتمعات ثمن تلك التجارب.

ونرجع تاني لفكرة فصل الدين عن الحياة، وهي في كثير من الأحيان رد فعل على سوء استخدام الدين سياسياً، لكن الصحيح أن المشكلة ليست في الدين، بل في السياسي الذي يستغله، لذلك المطلوب هو رفض توظيف الدين سياسياً، لا رفض الدين نفسه.

مالو الدين الإسلامي.. عيبوه لي؟ في قيم أفضل من قيم الإسلام؟ في التزام أخلاقي أعلى من ما جاء به الدين في تجربة الرسول؟ طيب مالكم؟!

وباختصار: الدعوة للدولة الدينية كما تُطرح اليوم غالباً تتحول إلى أداة سياسية أكثر من كونها مشروعاً عادلاً، وكثير من التجارب الإنسانية أثبتت أن العدالة لا تُقاس بشعارات دينية بل بمؤسسات وقوانين عادلة.

وعلى طريقة الميكانيكي صاحب الشاكوش: شاكوش في رأس كل حزب يعجز عن تقديم برنامجه السياسي بدون مساحيق، فيلجأ لتغليفه بالدين، والدين براء من ذلك.

وشاكوش تاني في رأس كل من يظن أن فصل الدين عن الحياة يعني إلغاء القيم الدينية من المجتمع، لأن القيم الدينية جزء من النسيج الأخلاقي للمجتمع، لكن استخدامها كسلاح سياسي هو المشكلة الحقيقية، لأنه مع الوقت يقلل من مكانة الدين ويحوّله إلى أداة خلاف بدل أن يكون مصدر هداية وقيم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.