أحمد الليثي
في البدء، لم يكن الجهل خصمًا للقداسة، بل كان يركع لها بتواضع السائل المتعطّش للمعنى.
لكن شيئًا ما انقلب في الطريق.
صار الجهل لا يسأل، بل يصرخ.
لا ينحني للحق، بل يجلد من يسأل عنه.
وفي لحظة ما من التاريخ، رُفع الجهل على أكتاف الجموع، ولبس عباءة الوحي، وصار يُسمّى… مقدّسًا.
في السودان، حيث اختلط المقدّس بالسياسي، ونبتت أشجار من الشعارات، أوراقها من الآيات وجذورها من مصالح لا تُرى، تسلّل “الجهل المقدّس” إلى المنابر، وإلى مقاعد الحكم، وإلى وجدان الناس البسطاء الذين لم تُتح لهم دائمًا فرصة التمييز بين الحق في النص والزور في التفسير.
حين يُحرَّف الوعي باسم الدين
في هذا الوطن، كان الدين في جوهره ملاذًا للفقراء، وسلوى للمظلومين، وحبلًا بين القلب والسماء.
لكن الجهل المقدّس نزعه من يد البسطاء، وعلّقه على جدران السلطان، وأعلن أن من يخالفه كافر، ومن يسأل زنديق، ومن يحلم بالحرية مارق.
صار الجهل ينطق باسم الله، ويأمر بق.تل الضمير، ويمنع عن الناس حليب العقل.
وقد فعلها من قبل: كفّر المختلفين، وضيّق على أهل الاجتهاد، وطارد أصحاب الرأي الحر، ثم بارك الحروب والمجازر، وصمت عن الظلم حين ارتدى ثوب السلطة.
كل ذلك باسم الدين.
لكن أي فهمٍ للدين هذا الذي ينحاز إلى الجلاد على حساب الضحية؟
الجهل المقدّس كأداة سلطة
في كل نظام استبدادي مرّ على السودان، كان هناك تحالف خفي بين الجهل المقدّس والسلاح المدنّس.
فالطاغية لا يحكم بالبندقية فقط، بل بالفتوى أيضًا.
لا يكفي أن يق.تل، بل يجب أن يبدو الق.تل مشروعًا، وأن تُمنح الهيمنة ثوبًا من الشرعية الأخلاقية.
وهنا يأتي الجهل المقدّس ليجمّل القبح، ويُكسب الاستعباد هيئة العبادة.
وهذا الجهل لا يصيب العوام وحدهم، بل يتسرّب إلى النخب، إلى من يُفترض أنهم حراس الوعي. يخشون أن يُتَّهموا بالكفر، فيصمتون عن الفساد، ويغضّون الطرف عن اغتصاب المعنى.
الجهل المقدّس كعدو للحرية
كل محاولة لتحرير الإنسان تبدأ بتحرير وعيه.
ولهذا يقف الجهل المقدّس دائمًا في وجه الأسئلة الكبرى: الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان.
فهو لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى العقل، ولا يخاف الخصوم بقدر ما يخاف الأسئلة.
يظهر في خطابات تدّعي احتكار الحقيقة، وفي دعوات ترى الطاعة فضيلة مطلقة، وفي محاولات لإخضاع المجتمع باسم الفضيلة أو العقيدة أو حماية الهوية.
وكلما ضاق أفق الحرية، اتسعت مساحة الجهل المقدّس، لأن الاستبداد لا يعيش طويلًا إلا إذا وجد من يبرّره أخلاقيًا.
نهاية الأسطورة
ليس الدين هو المشكلة، بل الجهل المقدّس الذي يُقدَّم باسم الدين. وليس الشعب السوداني جاهلًا، بل صودرت أدوات وعيه طويلًا باسم القداسة.
المعركة ليست بين الإيمان والعلمنة، بل بين الحق والتزييف، بين من يرى الدين دعوة إلى الرحمة والعدل والحرية، ومن يحوّله إلى أداة للهيمنة ومصادرة العقول.
في زمننا هذا، لا بد من تفكيك الجهل المقدّس، لا بازدراء الدين، بل باستعادة معناه الأصلي: كدعوة إلى التحرر والتفكير والعدل.
أن تكون مؤمنًا لا يعني أن تُطفئ عقلك، بل أن تُشعل به نورًا يقودك إلى جوهر الوحي، لا إلى صنمٍ من الكلمات.

Leave a Reply