
مجدي علي
يشكّل الفن التشكيلي الإريتري أحد أبرز تجلّيات الذاكرة الجمعية في بلدٍ تداخلت فيه الجغرافيا بالتاريخ، والهوية بالمنفى، والجمال بالألم. فقد نشأ هذا الفن في بيئة متعدّدة الثقافات، مثقلة بتجربة الاستعمار والحرب والهجرة، مما جعله أقرب إلى “أرشيف بصري” لحياة الناس، لا مجرد ممارسة جمالية معزولة.
بدأ الفن التشكيلي الحديث في إريتريا خلال الحقبة الاستعمارية الإيطالية، حين دخلت الأساليب الأوروبية في الرسم والتصوير، غير أن هذا الحضور ظل منفصلًا عن الروح المحلية، بينما بقي الفن الشعبي، عبر الفخار والزخرفة والنقوش وصناعة السعف والخشب، الجذر الحقيقي للتشكيل الإريتري.
ومع مرحلة الكفاح المسلّح ضد إثيوبيا، تراجع الإنتاج الفني المؤسّسي لصالح الهمّ السياسي، لكن المعسكرات شهدت محاولات تشكيلية هدفت إلى التوثيق ورفع المعنويات، قبل أن يظهر جيل الرواد مثل أحمد بلال، ومحمد نور سعيد علي، وميكائيل أدوناي، الذين أسّسوا للفن التشكيلي الإريتري الحديث.
ضمن هذا الجيل يبرز الفنان محمود جابر دبروم بوصفه أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الإريتري وأكثرهم التصاقًا بفكرة الذاكرة البصرية للوطن. وُلد في مدينة قندع عام 1938م تقريبًا، في بيئة ريفية يغلب عليها الجمال الطبيعي، وبدأ الرسم منذ طفولته المبكرة مستخدمًا الفحم وقلم الرصاص، بل صنع ألوانه بنفسه عبر طحن أوراق الأشجار للحصول على درجات اللون الأخضر.
ويستعيد دبروم كيف لُقّب في المدرسة ب”محمود الرسّام” بعد أن أظهر قدرة مبكرة على رسم الوجوه والأشكال، مع تطوّر تدريجي في فهمه للتظليل والأبعاد الثلاثية. وبعد وفاة والديه انتقل إلى أسمرا، حيث التحق بالمدرسة الإسلامية، وهناك تعرّف لأول مرة على الألوان المائية والباستيل عبر زميلته منى، في لحظة فتحت له نافذة جديدة على عالم اللون.
وفي أسمرا أيضًا تعرّف على اللوحات الإيطالية المعروضة في المحلات، ما زرع داخله مقارنة مبكرة بين الفن المحلي البسيط والفن الأوروبي الأكاديمي. لكن مساره اتجه لاحقًا إلى المنفى، إذ غادر إلى السعودية عام 1957م، وهناك انشغل بالدراسة والعمل الإداري لعقود طويلة، فتراجعت ممارسته للرسم، كما يقول: “لم أمارس الرسم بين 1957 و1976، كنت أعيش حياة العمل والقراءة، بينما موهبتي نائمة في داخلي”.
عاد دبروم إلى الفن في أواخر السبعينيات بعد أن شجّعته زميلة أمريكية رأت رسوماته البسيطة، فكانت تلك اللحظة نقطة تحوّل أعادته إلى أدواته الفنية، لتبدأ “ولادة اللوحة الأولى” بعد سنوات من الصمت. لاحقًا التحق بجمعية الفنون الجميلة في جدة، وشارك في معارض عديدة، كما اطّلع على مجلات فنية عالمية، وزار متاحف في إيطاليا وألمانيا ومصر والولايات المتحدة، مما عمّق تجربته التقنية والمعرفية.
يرى دبروم أن “الفن هبة من الله”، وأن الموهبة لا ترتبط بالضرورة بالتعليم الأكاديمي، بل قد تولد في أكثر البيئات قسوة وبساطة. ويقول: “قد يولد طفل في بيت طيني بلا ضوء، لكنه يصبح فنانًا مبدعًا، بينما آخر ينشأ في بيئة ثقافية متقدمة ولا يبدع شيئًا”. كما يؤكد أن الفن ليس مجرد لوحة أو قصيدة، بل “خليط من المشاعر والعواطف داخل الفنان وداخل كل البشر”.
ويضع الإنسان في قلب تجربته الجمالية، إذ يقول: “الإنسان يعني الكثير بالنسبة لي، بغض النظر عن العرق أو اللون أو المعتقد.. هذا الخليط هو أجمل ما في كوكبنا، مثل لوحة فنية لا تكتمل إلا بتداخل الألوان”. ويضيف: “الشعب والثقافة الإريترية نقش مقدّس في قلبي.. هم أيقوناتي واللآلئ التي تزين لوحاتي”.
شارك دبروم في أكثر من واحد وعشرين معرضًا فرديًا وجماعيًا، ونال جوائز فنية مرموقة، من بينها جائزة الخطوط الجوية السعودية، كما اقتُنيت أكثر من مائة لوحة من أعماله في معارض بارزة بجدة. وتمتاز أعماله بتعدّد المرجعيات، إذ تجمع بين الواقعية والسريالية والتكعيبية، مع ميل واضح إلى تصوير الحياة اليومية والعمارة القديمة والمشاهد الثقافية.
ويمكن النظر إلى تجربته بوصفها نموذجًا ل”فن الذاكرة”، حيث تتقدّم الهوية والانتماء على التجريب الشكلي. فقوة أعماله تكمن في صدقها العاطفي وقدرتها على تحويل الإنسان الإريتري إلى رمز بصري دائم الحضور، رغم أن بعض أعماله تميل أحيانًا إلى السردية التقريرية التي تغلب فيها الحكاية الوطنية على التجريب التشكيلي الخالص.
ومع ذلك، يبقى أهم إنجازات دبروم تثبيت هوية بصرية إريترية في المنفى، وتحويل الحنين والذاكرة إلى مادة تشكيلية قابلة للاستمرار. فأعماله، رغم بساطتها وواقعيتها التسجيلية، تنفذ مباشرة إلى أعماق المتلقي، لأنها تحمل بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا واضحًا، وتمنح الشخصيات التي يرسمها قيمة رمزية تتجاوز الشكل إلى المعنى.
إن التكوين في أعمال دبروم لا يهدف فقط إلى الجمال البصري، بل إلى إيصال الرسالة الإنسانية بوضوح، عبر توزيع متوازن للعناصر بين الشخصية والخلفية والفضاء. ولذلك يبدو محمود دبروم فنانًا استثنائيًا، لأنه لم يرسم الوطن بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه ذاكرة وإنسانًا وحنينًا دائمًا لا ينطفئ.

Leave a Reply