“الصالح العام”.. هل يعود  بوجهٍ آخر من جديد؟

صحيفة الهدف

أمجد السيد

لم يكن القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026، الصادر عن وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، مجرد إجراءٍ إداري عابر، بل بدا للكثيرين وكأنه جرس إنذار يعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ الخدمة المدنية السودانية؛ سنوات الإحالة لـ “الصالح العام” التي بدأت في مطلع التسعينيات، حين تحولت مؤسسات الدولة إلى ساحات تطهير سياسي ممنهج، فتم تشريد آلاف الموظفين والعاملين تحت شعارات الإصلاح وإعادة الهيكلة.

الفرق الوحيد بين الأمس واليوم هو أن الأسلوب تغير، أما الجوهر فيبدو متشابهاً إلى حدٍ مخيف؛ فالقرار الحالي يتحدث عن حصر العاملين، ودراسة تقليص العمالة، ورفع توصيات لتخفيض العاملين بالحكومة الاتحادية، وهي عبارات تبدو إدارية ومحايدة في ظاهرها، لكنها في السياق السوداني محمّلة بتاريخ طويل من الإقصاء السياسي وإعادة تشكيل الدولة على أساس الولاء لا الكفاءة.

المخاوف هنا لا تأتي من النص وحده، بل ممن يقفون خلف التنفيذ؛ فالسودانيون يدركون جيداً أن كثيراً من مفاصل الخدمة المدنية شهدت عقب انقلاب 25 أكتوبر عودة واسعة لعناصر النظام السابق، بمن فيهم أولئك الذين أُبعدوا خلال سنوات الثورة ولجنة إزالة التمكين. واليوم، يصبح هؤلاء أنفسهم جزءاً من عملية التقييم والحصر وتحديد من يبقى ومن يغادر، وهي مفارقة تكشف بوضوح أن القضية ليست إصلاحاً إدارياً بقدر ما هي إعادة تمكين سياسي ناعم.

الحكومة قد تتحجج بأن الدولة تعاني من تضخم وظيفي وأزمة اقتصادية خانقة، وأن تقليص العمالة أصبح ضرورة مالية، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تحتاج الدولة إلى إصلاح الخدمة المدنية؟ بل: من الذي يقود هذا الإصلاح؟ ولصالح من؟

فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالشفافية، والعدالة، والاستقلال المهني، لا بتكوين لجان فوقية تعمل في ظروف ح.رب واستقطاب سياسي حاد، وفي ظل غياب مؤسسات ديمقراطية ورقابية حقيقية.

ثم إن توقيت القرار نفسه يثير أسئلة مشروعة؛ فالسودان يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث؛ ملايين النازحين، انهيار الخدمات، توقف الرواتب في قطاعات عديدة، وانعدام أي ضمانات اجتماعية حقيقية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن تقليص العاملين أقرب إلى صناعة أزمة اجتماعية جديدة، لا إلى معالجة أزمة قائمة.

الأخطر من ذلك أن القرار قد يُستخدم لاستهداف شريحة محددة داخل مؤسسات الدولة؛ أولئك الذين انحازوا لثورة ديسمبر، أو دعموا الانتقال المدني الديمقراطي، أو عارضوا الح.رب وخطاب التعبئة الأيديولوجية، وهنا يتحول الإصلاح الإداري إلى عملية فرز سياسي مقنّعة.

لقد جرّب السودانيون هذا الطريق من قبل؛ بدأ تحت لافتات إعادة الهيكلة والإصلاح، وانتهى بتدمير الخدمة المدنية السودانية، وهجرة الكفاءات، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات حزبية فاقدة للمهنية والاستقلال.

الخدمة المدنية ليست غنيمة سياسية تُعاد قسمتها بعد كل انقلاب أو ح.رب، بل هي العمود الفقري للدولة، وعندما تُدار بعقلية الولاء والإقصاء، فإن النتيجة الحتمية هي انهيار الدولة نفسها.

إن أخطر ما في هذا القرار ليس عدد الذين قد يفقدون وظائفهم، بل الرسالة السياسية التي يحملها: أن السودان يُدار مرة أخرى بعقلية التمكين، ولكن بأدوات أكثر نعومة وهدوءاً. وإذا لم تتصدَّ القوى المدنية والنقابية والمجتمعية لهذا المسار مبكراً، فقد يستيقظ السودانيون بعد سنوات ليكتشفوا أن “الصالح العام” قد عاد من جديد، ولكن بملابس مختلفة.

#صحيفة_الهدف #السودان #الخدمة_المدنية #الصالح_العام #التمكين #السودان_اليوم #حقوق_العاملين #أزمة_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.