عباس الشاطر
في البلاد التي تحترم نفسها، يُسأل القـ.اتل: كم روحًا أزهقت؟
وفي بلادنا، يُسأل: مع من تحالفت؟
في السودان، لم تعد المأساة أن الحـ.رب اندلعت, بل أن الذين أشعلوا نارها عادوا يتدفأون حول رمادها كأنهم رجال دولة، لا تجار دم. عادوا بلا محاكم، بلا اعتذار، بلا خجل حتى. يتصافحون أمام الكاميرات، ويتبادلون الابتسامات الثقيلة، بينما الأمهات ما زلن يبحثن عن أسماء أبنائهن بين قوائم المفقودين، والنساء يخفين ذاكرة الاغتصاب كما تُخفى الجروح المتعفنة تحت الثياب؛ لتكشف عن عمق الوجع الإنساني وتحطيم كرامة المواطن المكلوم.
لقد مـ.ات شباب هذا البلد وهم يظنون أن المـ.وت من أجل الوطن شرف، فاكتشف الوطن متأخرًا أن الشرفاء وحدهم هم الذين يُدْفَنون، أما اللصوص فيُسْتَقْبَلون بالأحضان.
كيكل، والنور قبة، والسافنا، وإبراهيم بقال… أسماء مرّت على القرى كما تمر النار على الهشيم: قـ.تلٌ، ونـ.هبٌ، ورعـ.بٌ، وبيوت أُحْرِقَتْ بمن فيها. لكن السودان الذي صار يخلط بين البطولة والبلطجة، قرر أن يمنحهم مكانًا في المشهد، لا في قفص الاتهام. وهكذا أصبح القـ.اتل “قائدًا”، وأصبح النَّهَّاب “رجل مرحلة”، وأصبح المغتصب جزءًا من “التسوية الوطنية”.
يا لسخرية الوطن حين يتحول المجرم إلى شخصية عامة، بينما يختبئ الشريف خوفًا من الجوع أو الرصاصة أو الخيانة.
لم تعد المشكلة في الحـ.رب وحدها، بل في هذا الاحتال الوقح بالإفلات من العقاب. في البلدان الطبيعية، تُبنى الدول بالقانون؛ أما نحن فنبنيها بالصفقات، ثم نستغرب لماذا تنهار كل مرة فوق رؤوس الفقراء والمشردين. صار الدم السوداني رخيصًا إلى درجة أن من يسفكه يُكافأ، ومن يرفض سفكه يُتهم بالضعف أو السذاجة.
أي رسالة تُرسلها الدولة لأطفالها حين يرون القـ.تلة يتنقلون بين الفنادق والمنابر والسيارات المظللة؟
ماذا سيتعلم الجيل القادم؟
أن الوطنية كذبة؟
أن الطريق الأقصر إلى النفوذ يمر عبر فوهة بندقية؟
أن من يـ.سرق مدينة كاملة يمكنه لاحقًا أن يتحدث عن السلام والمصالحة بربطة عنق أنيقة؟
لقد أصبح السودان بلدًا تُغْسَل فيه الجرائم بالسـ.ياسة، وتُعَطَّر الخيانة بالخطب الرنانة. بلدًا يُطْلَب فيه من الضحية أن “تتجاوز” آلامها، بينما القـ.اتل لم يتوقف أصلًا كي يعتذر.
والمؤلم حقًا ليس أن هؤلاء موجودون؛ فكل الحـ.روب تُنتج وحوشها. المؤلم أن المجتمع السـ.ياسي يتعامل معهم كضرورة وطنية، كأن السودان عقيم إلى هذا الحد، لا ينجب إلا أمراء حـ.رب وقادة ميليشيات وتجار مآسٍ وإنسانية ممزقة.
لكن الحقيقة التي يحاول الجميع دفنها تحت ضجيج المصالح هي أن الأوطان التي لا تُحاسب قـ.تلتها، تعيد إنتاج القـ.تل بأشكال جديدة. والعدالة التي تؤجَّل كثيرًا تتحول تدريجيًا إلى دعوة مفتوحة لمذ.بحة قادمة.
لا سلام حقيقيًا فوق جماجم الضحايا.
ولا مصالحة تُبنى على اغتصاب الحقيقة.
ولا وطن ينجو حين تصبح الخيانة وسامًا، ويُترك الشرفاء وحيدين في المقابر.
#جـريدة_الـهدف
#الـشأن_الـسوداني
#مـناهضة_الحـرب
#حـقوق_الـإنسان
#مـحاسبة_الـقتلة
#لـا_لـلإفلات_مـن_الـعقاب
#الـعدالة_الـانتقالية
#الـوضع_الـإنساني
#الـسياسة_الـسودانية
#عـباس_الـشاطر
#كـرامة_الـمواطن

Leave a Reply