درس أخير: المدرسة التي لا تنام

صحيفة الهدف

راما عبد الله
في ظل حربٍ لا تُبقي على يقينٍ ولا تمنح الأطفال حقّهم البسيط في الاستقرار، تتراجع الحدود بين المدرسة والمأوى، وبين الدرس والنجاة، حتى يغدو التعليم فعلًا يوميًا لمقاومة الفقد وليس كسبًا أكاديميًا..
في مناطق النزوح بوسط دارفور، حيث تتكدّس الحياة فوق أطلال الخوف، تتحوّل المؤسسات التعليمية إلى مساحاتٍ هجينة: تحتضن الأطفال نهارًا بحثًا عن المعرفة، وتستقبل أسرهم ليلًا طلبًا للأمان.
في هذا السياق القاسي، تبرز قصة “المدرسة التي لا تنام” كما روتها اليونيسف، لا بوصفها استثناءً عابرًا، بل نموذجًا مكثفًا لحياةٍ كاملة تُعاد صياغتها داخل فصلٍ دراسي في روكيرو بوسط دارفور..
“هؤلاء هم أبناؤنا”، يقول علي هارون بصوت ثابت ومثقل بالعاطفة، “إن لم يتعلّموا، فأين سيذهبون؟ ماذا سيحلّ بهم؟ التعليم هو شريان حياتهم الآن.”
يعمل هارون مديرًا لمدرسة الزهراء الابتدائية منذ ثلاث سنوات، وقد أصبحت المدرسة اليوم أكثر من مكان للتعلّم؛ إنها ملاذٌ آمن. ففي النهار، يكتظّ نحو 1200 طالب داخل الفصول الدراسية، من بينهم 400 طفل نازح من الفاشر وطويلة، بينما تتحول في الليل إلى مأوى للأسر التي شرّدها النزاع.
تضمّ المدرسة سبعة فصول دراسية موزعة على ستة مستويات تعليمية، ويتراوح عدد الطلاب في بعض الفصول بين 160 و210 طلاب، يشرف عليهم 18 معلّمًا ومعلّمة. كما تحتوي على ستة حمّامات مزوّدة بمضخة مياه مدعومة من اليونيسف.
يبدأ اليوم الدراسي بطابور الصباح، حيث يلقي الطلاب القصائد ويتلون الأحاديث النبوية وينشدون الأغاني التراثية، ويتعلّمون مبادئ النظافة والتماسك الاجتماعي وفنون الخطابة.
تنطلق الحصص عند الساعة الثامنة والنصف صباحًا، بثلاث حصص قبل استراحة الإفطار، ثم تستأنف حتى نهاية اليوم عند الواحدة وخمسٍ وأربعين دقيقة ظهرًا.
حين تغرب الشمس، تتحوّّل الفصول إلى أماكن للنوم، وتبدأ الأسر النازحة في الوصول حاملةً ما تبقّى من متاعها، فيما يغادر الجميع صباحًا لتبدأ يومًا دراسيًا جديدًا.
بدأت هذه الحياة المزدوجة عقب أزمة الفاشر في يوليو 2023، حين تقرر فتح المدرسة كمأوى للأسر النازحة التي لم تجد مكانًا آخر.
لم يكن التعلّم سهلًا على الأطفال الذين وصلوا بعد حصار الفاشر، مرهقين ونازحين ويفتقدون كل شيء تقريبًا. يقول المدير علي: “بكيت.”
ويستذكر قصة محمد آدم، الطفل الذي جاء حافي القدمين بعد مقتل والده، وظل قريبًا من المعلمين طلبًا للأمان. لاحقًا عثر عليه شقيقه وأخذه إلى طويلة، بعد أن أكمل جزءًا من تعليمه في المدرسة.
استغرق الأطفال وقتًا للتكيّف مع الحياة داخل المدرسة، قبل أن ينجح المجتمع والمعلمون في دعمهم نفسيًا واجتماعيًا، لتصبح الكرات البسيطة واللعب وسيلة للتعافي واستعادة الإحساس بالحياة.
وبفضل دعم اليونيسف، واصلَت المدرسة عملها عبر التدريب والمواد التعليمية والحوافز، ما ساعد على استمرار التعليم رغم الأزمة.
يقول علي: “عندما تأتي اليونيسف، نعلم أن المساعدة قد وصلت.”
لم تعد المدرسة مجرد مبنى، بل مساحة آمنة تمنح الأطفال الشعور بالانتماء والكرامة، وتعيد إليهم ثقتهم التي كسرها النزاع.
ويخشى علي من أن يؤدي انقطاع التعليم إلى انزلاق الأطفال نحو العنف أو الجريمة أو عمالة الأطفال، مؤكدًا أن حماية التعليم تعني حماية المستقبل.
ويختم قائلًا: “في هذه المدرسة، سنواصل التمسك بالأمل إلى أن تصل المساعدة.”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.