سامي عبدالهادي محمد
الصراع البشري مستمر منذ أقدم العصور؛ إذ بدأ بغارات قبلية بسيطة وتطور إلى حـ.روب جيوش منظمة (سومرية)، ثم حـ.روب عالمية تكنولوجية معقدة. الغاية الرئيسية منها فرض الإرادة، أو تحقيق مكاسب اقتصادية، أو توسيع النفوذ، أو دفع خطر مباشر.
الـحـ.روب مهما كانت غايتها فهي كارثية ولها تأثيرها السلبي على حياة الشعوب، ويمتد هذا التأثير لما بعد إسكات المدافع لسنين عدداً؛ لذا كانت الجيوش حالة اضطرارية في حياة الشعوب لحماية الأرض والعرض. ولكي نستوعب العمق الحقيقي لتأثير الحـ.رب، يجب أن نستعرض تجربة أوروبا في الحـ.رب العالمية الثانية وتأثيرها ونتائجها عليها بعد الحـ.رب.
تأثير الحرب العالمية الثانية على أوروبا:
الحـ.رب كانت زلزالاً غيّر خريطة أوروبا بالكامل في فترة الحـ.رب التي امتدت من العام 1939م وحتى العام 1945م؛ حيث خلفت خسائر بشرية مرعبة تجاوز فيها عدد القتلى 40 مليون قتيل، منهم 19 مليون مدني، والاتحاد السوفيتي لوحده خسر 27 مليون قتيل، وألمانيا 7 ملايين قتيل، ثم بولندا 6 ملايين قتيل.
المح.رقة (Holo.caust):
بدأت مع صعود الحزب الن.ازي إلى السلطة في ألمانيا عام 1933م، وبلغت ذروتها خلال الحـ.رب العالمية الثانية؛ حيث قام النظام الن.ازي بقيادة أدولف هت.لر باضـ.طهاد وقـ.تل ممنهج لستة ملايين يه.ودي، وملايين الغجر والمعارضين تم قـ.تلهم في معسكرات الن.ازية. كما فقدت مدن كاملة شبابها، وانخفضت نسبة الذكورة في عموم أوروبا لمعدلات مخيفة.
دمار مادي شامل:
مدينة وارسو تضررت وتدمرت بنسبة 80%، ومدينة برلين بنسبة 70%، وتضررت لندن من شدة القـ.صف، أما مدينة روتردام فقد سُوّيت بالأرض. وعلى صعيد البنية التحتية، تدمرت 70% من السكك الحديدية في أوروبا الشرقية، كما تدمرت الجسور، والمصانع، والموانئ وجميعها أصبحت ركاماً. وحسب تقييم الخسائر الاقتصادية في أربعينيات القرن الماضي، فقد خسرت أوروبا ما يزيد عن 1 تريليون دولار جراء الحـ.رب.
خريطة سياسية جديدة:
انقسمت ألمانيا إلى شرقية شيوعية وغربية رأسمالية وتم فصل مدينة برلين بجدار خرساني، وظهر ما يعرف بمصطلح “الستار الحديدي”؛ حيث قُسِّمت أوروبا إلى شرق أوروبا الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وغرب أوروبا الرأسمالي المتحالف مع أمريكا، وبهذا الانقسام كانت بداية الحـ.رب الباردة بين القطبين: الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
وكذلك شهدت هذه المرحلة نهاية الإمبراطوريات؛ حيث وصلت فرنسا وبريطانيا جراء الحـ.رب مرحلة الإفلاس، ونتيجة لذلك فقدت الدولتان مستعمراتهما مما أتاح تمدد نفوذ الهيمنة الأمريكية. ومن التحولات الاجتماعية العميقة التي خلفتها الحـ.رب: التهجير القسري؛ حيث تم طرد 12 مليون ألماني من أوروبا الشرقية، وملايين البولنديين والأوكرانيين انتقلوا إلى مناطق أخرى بسبب تغيير الحدود.
ولادة أوروبا الجديدة:
بنهاية الحـ.رب العالمية الثانية حدثت طفرة مواليد ضخمة في أوروبا نهاية الأربعينيات والخمسينيات، كادت أن تعوض فقدان الوفيات في الحـ.رب، كما ضخت الولايات المتحدة الأمريكية في مشاريع إعادة الإعمار أكثر من 13 مليار دولار لإعادة إعمار أوروبا وذلك في سبيل منع تمدد الشيوعية، مما جعل الاقتصاد الأوروبي يزدهر مرة أخرى، لكن يظل أهم حدثين شهدتهما أوروبا هما:
1. فكرة الاتحاد الأوروبي: بدأت الفكرة بتأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب والمعروفة اختصاراً بـ (ECSC)، والتي اعتمدت رسمياً بمعاهدة باريس التي تم توقيعها عام 1951م، وهي المعاهدة صاحبة الفضل في فكرة تأسيس الاتحاد الأوروبي، والذي حدث رسمياً بدخول معاهدة ماستريخت حيز التنفيذ في 1 نوفمبر 1993م، والذي حوّل المجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى الاتحاد الأوروبي.
2. قوانين جديدة: * محاكمات نورنبيرغ: هي سلسلة من المحاكم العسكرية التي عقدتها قوات الحلفاء بعد الحـ.رب العالمية الثانية وفقاً للقانون الدولي وقوانين الحـ.رب، وحققت المحاكمات شهرتها الأكبر نظراً لمحاكمة مسؤولين كبار في القيادة السياسية والعسكرية والقضائية والاقتصادية في ألمانيا النازية، والذين كانوا ضالعين في التخطيط أو التنفيذ أو المشاركة بوجه من الوجوه في المحرقة “الهولوكوست”، وغيرها من جرائم الـحـ.رب. وعُقِدت المحاكمات في نورنبيرغ بألمانيا، ومثلت أحكامها نقطة تحول في سير القانون الدولي من الكلاسيكي إلى المعاصر؛ حيث مثّل تصنيف الجنايات ونظام المحكمة قفزة قضائية اقتفت خطاها الأمم المتحدة فيما بعد لوضع فقه قضاء دولي متعلق بقضايا جرائم الحـ.رب، والجرائم ضد الإنسانية والـحـ.روب الإنسانية، وأفضى ذلك في نهاية الأمر إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية.
-
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: يعد وثيقة تاريخية هامة في تاريخ حقوق الإنسان. صاغ هذا الإعلان ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع أنحاء العالم، واعتمدت الجمعية العامة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس في 10 ديسمبر 1948م بموجب القرار (217 أ)، بوصفه المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم، وهو يحدد للمرة الأولى حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالمياً.
أعراض ما بعد الحرب (Post-war Symptoms):
بعد سرد تأثير الحـ.رب العالمية الثانية على أوروبا، يمكننا تلخيص الأعراض التي تخلفها الـحـ.روب في الآتي:
الآثار البشرية والنفسية:
-
قتلى ومصابون بين الجنود والمدنيين على حد سواء، وإصابات ربما تصل إلى إعاقة دائمة.
-
صدمات نفسية تصيب الأطفال والكبار، ومن أشهرها اضطراب ما بعد الصدمة المعروف بـ (Post-Traumatic Stress Disorder)؛ وهي حالة نفسية مزمنة تظهر بعد التعرض لحدث صادم أو مهدد للحياة مثل الـحـ.روب، والكوارث، والعنف… إلخ، وأعراضها تنقسم إلى ثلاث مجموعات رئيسية وهي:
-
استرجاع الذاكرة (Flashbacks): وهي ذكريات مؤلمة ومتكررة وكوابيس.
-
التجنب: تجنب الأماكن والأنشطة أو الأشخاص الذين يذكرون بالحدث الصادم.
-
تغيرات في التفكير والمزاج: وتتمثل في أفكار سلبية، شعور بالانفصال عن الآخرين، فقدان الرغبة في الأنشطة، والشعور بالذنب أو الخزي.
التأثيرات الاقتصادية:
-
تدمير البنية التحتية كالمستشفيات، والمدارس، والمصانع، والطرق، وشبكات الكهرباء والمياه… إلخ.
-
انهيار العملة والبطالة؛ حيث ينهار الاقتصاد وترتفع الأسعار وتتدمر الشركات والمصانع مما يعرض الناس لفقدان وظائفهم، وتنفد المدخرات لدى المواطنين.
التأثير الاجتماعي والصحي:
-
نزوح ولجوء؛ حيث إن ملايين من المواطنين ينزحون لمناطق آمنة داخل البلاد، وآخرين يلجأون إلى البلدان الأخرى ليعيشوا في مخيمات لاجئين، وتصبح المدن شبه خاوية وبدون خدمات.
-
انهيار التعليم؛ حيث المدارس تُغلق وتتحول لمراكز إيواء وملاجئ، ويفقد جيل كامل حقه في التعليم.
-
تغيير التركيبة السكانية بسبب النزوح إلى مناطق أخرى وهجرة العقول والشباب؛ بالتالي يفقد الوطن الكفاءات.
-
التأثير الصحي؛ حيث تشهد البلاد انهيار النظام الصحي، ونقص الأدوية، وهجرة الأطباء، وتدمير المستشفيات، وانتشار الأوبئة بسبب سوء الصرف والمياه الملوثة.
التأثير السياسي والثقافي:
-
عدم استقرار سياسي وفراغ أمني وظهور مليشيات نتيجة لحكومة الحـ.رب التي تتميز بالضعف والفساد.
-
تدمير التراث؛ حيث تُنهب المتاحف والآثار، وتُدمر المكتبات مثلما حدث في العراق وسوريا لمسح ذاكرة الشعوب.
-
كراهية بين الأجيال؛ وخصوصاً الأطفال الذين عاشوا الحـ.رب حيث يحملون في ذكرياتهم العنف، وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى صراعات جديدة في المستقبل.

Leave a Reply