ماجد الغوث
لم يكن موقف حزب البعث العربي الاشتراكي الأخير من تحالف صمود مجرد مناورة سياسية أو رغبة في العزلة، بل كان وقفة مبدئية أمام مرآة التاريخ القريب. فمن لدغته جروح الحرية والتغيير ومن بعدها تقدم، لا يمكن أن يلقي بنفسه في تهلكة تحالفات تُبنى على الرمال وتحتفي باللافتات الورقية على حساب القواعد الحقيقية.
الحرب كحالة للمراجعة: ما وراء الصدام العسكري
يجب ألا نمر على هذه الـحـ.رب كحدث عابر، بل هي حالة تستوجب الوقفة العميقة والمراجعة الشاملة. إنها “حـ.رب الأربع سنوات” التي لم تبدأ برصاصة 15 أبريل فحسب، بل بدأت بتمهيد الأرض عبر انقلاب عسكري سعى لقطع الطريق أمام التحول المدني. إن تصنيف الـحـ.رب اليوم كـ “نتيجة لفشل التسويات الفوقية” يحتم علينا مراجعة خطابنا السياسي؛ فالـحـ.رب كشفت عورة التحالفات الهشة التي ظنت أن مصافحة العسكر خلف الأبواب المغلقة ستجلب استقراراً، فإذا بها تجلب دماراً شاملاً.
عقدة الأجسام الورقية وإجهاض التغيير
إن النقد الذي وجهه الدكتور صديق تاور حول إغراق التحالفات بأجسام مدنية ومطلبية وهمية، يكشف عن أزمة عميقة في بنية التفكير السياسي. هذه الأجسام، التي تفتقر للوجود الفعلي، تُستخدم غالباً كـ “كومبارس” سياسي لتمرير أجندات معينة أو لخلق أغلبية زائفة. إنها عملية تزييف للوعي تمنح من لا يملك حق من لا يستحق، مما يؤدي بالضرورة إلى تداخل الأدوار بين العمل المدني المستقل والعمل السياسي البرامجي، وهو تداخل أضعف الجبهة المدنية أمام طموحات العسكر.
العمل الجبهوي: المصد التاريخي ضد الانقلابات
تاريخنا السياسي يخبرنا أن “العمل الجبهوي” العريض والمبني على أوزان حقيقية كان دائماً هو المصد الوحيد القادر على كسر شوكة الانقلابات العسكرية. استعادة تجارب العمل الجبهوي لا تعني تجميع لافتات، بل تعني خلق “تلوين عام شعبي” تتداخل فيه مصالح النقابات، والمهنيين، والقوى السياسية الحية في تيار وطني جارف. هذا التلوين هو وحده الكفيل بتحويل الرفض الشعبي إلى قوة ضغط سياسي قادرة على وقف الـحـ.رب واستعادة المسار المدني، بعيداً عن مساومات الغرف المظلمة.
فخ العموميات ومتاهة التفاصيل
الخلاف الجوهري اليوم ليس على الأهداف، بل على كيفية الوصول إليها. فبينما يرى البعض أن الحل يُستجلب من الخارج عبر مساومات فوقية مع أطراف الـحـ.رب، يصر حزب البعث على أن الحل ينبع من العمل القاعدي الشعبي. الانضمام لتحالف يشرعن المساومات الملغومة أو يتغاضى عن جذور الأزمة التي بدأت بالانقلاب، هو تكرار للأخطاء التي أوردت البلاد موارد الهلاك.
خاتمة: نحو الكتلة التاريخية
إن صمود الشعب السوداني يستحق صموداً سياسياً يوازيه في النزاهة والوضوح. إن الرهان الآن هو على تشكيل الكتلة التاريخية التي ترفض الـحـ.رب والشمولية معاً، وتؤمن بأن الحل يبدأ من القواعد صعوداً. أي خطوة تبدو كإعادة تدوير لمسارات سابقة دون مراجعة حقيقية للهياكل، ستكون بمثابة حرث في البحر. الواجب الوطني يحتم على القوى الحقيقية أن تنأى بنفسها عن إغراق التحالفات بالوهم، لتعمل على بناء واقع سياسي صلب يليق بتضحيات هذا الشعب.

Leave a Reply