سلاف إلياس.. من ضفاف النيل إلى مسارح باريس

صحيفة الهدف

ندى أوشي
ثمّة أصوات لا تبدو وكأنها خرجت من معهد موسيقي بقدر ما خرجت من ذاكرة بلدٍ كامل، وسلاف إلياس، المعروفة فنيًا باسم Sulaf، واحدة من تلك الأصوات. حين تستمع إليها تشعر أن السودان، بكل ما فيه من حنين وصوفية وترحال وألم، يمرّ عبر أوتار العود وصوتٍ هادئ يحمل شيئًا من التأمل والشجن العميق. فهي لا تبدو مجرد مطربة تؤدي الأغنيات، بل مشروعًا فنيًا يسعى إلى إعادة اكتشاف الروح السودانية بلغة موسيقية معاصرة، دون أن يفقدها جذورها الأولى.
سلاف إلياس تنتمي إلى جيل جديد من الفنانين السودانيين الذين اختاروا الخروج من القوالب التقليدية للأغنية السودانية مع الحفاظ على الصلة العميقة بالإرث المحلي. منذ بداياتها اتخذت من العود رفيقًا أساسيًا لتجربتها، في وقت ظلّ فيه العود مساحة يهيمن عليها الرجال. غير أن علاقتها بهذه الآلة لم تكن استعراضًا لمهارة تقنية، بل بدت كأنها حوار داخلي طويل؛ ففي عزفها شيء من التصوف، وفي غنائها ميل واضح إلى التأمل والهدوء حتى حين تغني للحب أو للوطن.
وتستند تجربتها إلى خلفية روحية وثقافية عميقة، إذ تستلهم جانبًا من أعمالها من الإرث الصوفي السوداني، خصوصًا من أشعار جدّها الأكبر عبد العظيم سيد أحمد، الذي كان شاعرًا وموسيقيًا صوفيًا. لذلك تبدو بعض أغنياتها وكأنها امتداد حديث لذلك المزاج السوداني القديم، حيث تمتزج الحكمة الشعبية بالوجد الروحي، وتتحول الموسيقى إلى مساحة للتأمل.
ما يميّز تجربة سلاف أيضًا أنها لا تتعامل مع التراث السوداني بوصفه مادة جامدة، بل باعتباره كائنًا حيًا قابلًا للتجدد. لذلك تمزج في أعمالها بين الإيقاعات السودانية القديمة، والموسيقى النوبية، والإنشاد الصوفي، مع تأثيرات البلوز الصحراوي والإلكترونيك والجاز والإيقاعات الإفريقية الحديثة، دون أن تضيع ملامح الهوية السودانية وسط هذا المزج.
التحوّل الأكبر في حياتها ومسيرتها جاء عام 2022، حين سافرت إلى باريس ضمن برنامج (تأشيرة للإبداع) التابع للمعهد الفرنسي، وهو برنامج يتيح للفنانين الإقامة والعمل الفني لفترة محددة في فرنسا. ذهبت باعتبارها فنانة شابة تحمل مشروعًا موسيقيًا مختلفًا، لكن اندلاع الحرب في السودان غيّر كل شيء. تحولت الإقامة القصيرة إلى منفى طويل غير مخطط له، ووجدت سلاف نفسها بعيدة عن الخرطوم وحياتها القديمة، تحاول أن تبدأ من جديد في مدينة أخرى.
في باريس انضمت إلى (ورشة الفنانين في المنفى)، وهي مساحة فرنسية تحتضن الفنانين الذين دفعتهم الحروب والأزمات إلى مغادرة بلدانهم. وهناك دخلت سريعًا إلى المشهد الموسيقي البديل وسط موسيقيين من إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، لأن أعمالها تحمل منذ البداية ذلك النفس الصحراوي الممتد بين السودان ومالي والنيجر.
ومن أهم المحطات في مسيرتها تعاونها مع فرقة Tinariwen، إحدى أهم فرق البلوز الصحراوي في العالم والحائزة على جائزة غرامي. شاركت سلاف مع الفرقة في أغنية Sagherat Assani ضمن ألبوم Hoggar كما ظهرت في عدد من حفلات الجولة الأوروبية للفرقة كضيفة افتتاحية، وهو ما منح تجربتها حضورًا أوسع داخل فضاء الموسيقى العالمية البديلة.
وفي أعمالها الخاصة قدمت سلاف عددًا من الأغنيات التي صنعت حضورها لدى الجمهور، من بينها (وا لومي)، و(يا يابا)، و(ليلك جنّ)، إلى جانب إعادة تقديمها لأغنية (عزة في هواك) بروح حديثة تمزج الوفاء للأصل مع رؤية موسيقية معاصرة. كما أطلقت أغنية Naada التي مثّلت أولى إشارات ألبومها المرتقب ABA المنتظر صدوره عبر Real World Records، الشركة التي أسّسها Peter Gabriel والمعروفة باحتضان الأصوات الموسيقية الأكثر فرادة حول العالم.
وخلال عامي 2025 و2026 أصبحت سلاف جزءًا من المشهد الموسيقي البديل في فرنسا وأوروبا، فشاركت في سلسلة من الحفلات والمهرجانات التي جمعت فنانين من إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. ومن أبرز تلك المشاركات ظهورها في حفل فرقة Tissilawen في باريس، إلى جانب مشاركتها ضيفة خاصة في إحدى أمسيات JASS CLUB PARIS، وهي حفلات أكّدت حضورها المتزايد داخل المشهد الموسيقي الأوروبي البديل.
ما يميّز سلاف إلياس أنها لا تبدو منشغلة بفكرة النجومية التقليدية، بل تقدّم الموسيقى بوصفها رحلة إنسانية وشخصية طويلة. فهي لا تحاول تقديم السودان كصورة فولكلورية جاهزة، بل كروح حيّة يمكن أن تتحاور مع العالم وتؤثّر فيه. ولهذا تبدو موسيقاها اليوم محاولة لإنقاذ شيء من الذاكرة السودانية وسط الحرب والتشظّي؛ محاولة لقول إن هذا البلد ما زال قادرًا على إنتاج الجمال.
في صوت سلاف إلياس حنينٌ قديم يعبر الصحارى ويصل إلى ضفاف السين في باريس، دون أن يفقد رائحة الطين الأولى أو رجفة العود السوداني، لتبدو تجربتها واحدة من أكثر الأصوات السودانية المعاصرة حضورًا في المشهد الموسيقي العالمي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.