محمد شريف
في فضاءات النزاعات التي يعجز العقل البشري عن الإحاطة بكامل قسوتها، حيث يتحول الإنسان من كائن ذي تطلعات وأحلام إلى مجرد وحدة بيولوجية تصارع من أجل اقتناص لحظة بقاء إضافية، يبرز في السودان اليوم مشهد تراجيدي يتجاوز في مأساته حدود الرصاصة والقذيفة، ليدخل في مساحة رمادية من الأخلاقيات المعقّدة، حيث يجد السودانيون أنفسهم أمام مقايضة وجودية مريرة تفرض عليهم تعاطي المواد المسرطنة، والمياه الملوثة، واستهلاك السلع الفاسدة أو منتهية الصلاحية كبديل حتمي للموت جوعًا، وهو ما يطرح تساؤلًا فلسفيًا واجتماعيًا حارقًا حول ما إذا كانت الأخلاق، في جوهرها ومعاييرها الصارمة، تمثل رفاهية لا تحتملها إلا أزمنة السلم والرفاه، بينما تذوب وتتلاشى تحت وطأة الاحتياج البيولوجي العنيف الذي يرى في “الموت البطيء” مكسبًا وتأجيلًا لانتصار الفناء المطلق.
إن المتأمّل في المنطق الواقعي الذي يسوقه الكثيرون وسط هذا الركام، يجد أن “البقاء” يتحوّل في حد ذاته إلى قيمة أخلاقية عليا تجبّ ما قبلها، فالواقعيون الذين يختارون السمّ البطيء لا يفعلون ذلك جهلًا بمآلاته الصحية أو استهانة بجسد الإنسان، بل انطلاقًا من إدراك حسي بأن الموت جوعًا نهاية صامتة وقطعية لا تمنح الضحية فرصة للمناورة أو الأمل، بينما تمنح المواد الملوثة جسد الإنسان مهلة زمنية قد تطول لسنوات، يظل فيها الكائن حيًا وقادرًا على الشهادة على مأساته، وربما على انتظار فجر السلام. ومن هنا تصبح الأخلاق في نظرهم نسبية، مرتبطة بقدرة الفرد على الاختيار، فإذا انعدم الاختيار سقط التكليف الأخلاقي، وأصبح القبول بالحد الأدنى من الغذاء، مهما كانت جودته، فعلًا اضطراريًا يهدف إلى استمرارية الوجود البشري في وجه آلة الحرب، مما يجعل لوم الجائع على نوعية طعامه ضربًا من العبث الفكري.
على النقيض من ذلك، تبرز الرؤية المثالية التي تحذر من أن هذا الرضوخ للواقع المسموم ليس مجرد نجاة فردية، بل انتحار جماعي مؤجل وتدمير ممنهج لأسس المجتمع الذي سيقوم بعد الحرب، إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن القبول باستهلاك المواد الملوثة يفتح الباب أمام تجار الأزمات ومنعدمي الضمير لتحويل الجسد السوداني إلى مكب للنفايات الكيميائية تحت ستار الإغاثة أو الضرورة، وهو ما يجعل من “السلام النظيف” حلمًا مهددًا منذ الآن، لأن الدولة التي ستخرج من الحرب ستجد نفسها أمام شعب مثقل بأمراض مزمنة وفتاكة تستنزف طاقات الإعمار، وتحول الموارد الشحيحة نحو العلاج بدلًا من البناء. فالمثالية هنا لا تعني التعالي على الجوع، بل الوعي بأن التنازل عن الحد الأدنى من الكرامة الصحية يترك أثرًا عميقًا في الجسد والوجدان، ويؤسس لمجتمع منهك يصعب عليه النهوض أو الدفاع عن حقوقه.
إن هذه المعضلة الأخلاقية تكشف أن الحرب لا تهدم الجدران فقط، بل تعيد تشكيل الإنسان نفسه عبر دفعه إلى خيارات قاسية تمس جوهر قيمه. وحين تصبح الأخلاق “رفاهية”، فإننا لا نتحدث عن ترف فكري، بل عن انهيار في العقد الاجتماعي، حيث يغدو الفرد مسؤولًا وحيدًا عن نجاته في غياب الدولة والمؤسسات. في مثل هذا السياق، يصبح “الآن” هو الحقيقة الوحيدة، و”الغد” احتمالًا بعيدًا، ومع ذلك يبقى التحليل المثالي ضروريًا لأنه يذكّر بأن التنازلات التي تُقدَّم تحت ضغط الحاجة لا تنتهي بانتهاء الحاجة، بل تتحول إلى آثار ممتدة في الصحة والسلوك والوعي الجمعي، وقد تعيق إعادة بناء المجتمع لاحقًا.
وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن إصدار أحكام أخلاقية قاطعة، لأن الأخلاق تفترض وجود إرادة حرة، والإرادة الحرة تغيب حين تضع الحرب الإنسان بين الجوع والموت. فالمشكلة لا تكمن في خيارات الأفراد بقدر ما تكمن في البنية التي أوصلتهم إلى هذا الحد من الانكشاف، حيث تتداخل المسؤوليات بين المحلي والدولي، وبين غياب الدولة وانهيار الحماية الاجتماعية.
إن الخلاصة المرة لهذه الجدلية هي أن الأخلاق في زمن الحرب تتحول من منظومة قيم إلى صراع وجودي. وحين يختار الإنسان البقاء ولو بثمن مؤلم، فهو لا يمارس خيارًا مثاليًا بل ضرورة قاسية. ومع ذلك، تبقى مسؤولية الوعي قائمة، ليس في إدانة الضحايا، بل في تذكير العالم بأن ما يحدث ليس مجرد أزمة غذاء، بل تفكك شامل في شروط الحياة الكريمة. فالحرب قد تنتهي، لكن آثارها على الأجساد والضمائر قد تمتد لعقود، لتبقى شاهدة على أن الأخلاق لم تكن يومًا ترفًا، بل كانت الدرع الأخير الذي يحمي الإنسان من السقوط الكامل في العدم.

Leave a Reply