كمال حافظ
استيقظ السيد “الغايد” في فراشه الوثير، الذي ما عاد يريحه.. استيقظ بصداعٍ نصفي.. طالت الحرب، ولأنه يظن أنه أذكى من الجميع، وبإمكانه التلاعب بالكل، انتهى به الأمر بأن “وكَّر” نفسه في مكان لا يعلمه إلا الله.. شخصيته المضطربة ازدادت اضطرابًا، وهو – حقيقةً – لا يعرف ما يفعل: “يا زول رزق اليوم باليوم”، يرتجل أمام أي موقف..
قام، غسل وجهه.. نظر فرأى “مصلايته” التركية الفاخرة تزين الغرفة، لعن صديقه السابق و”عدو” اليوم لإفشائه سره للناس.. ارتدى بزته العسكرية، أُتي إليه بالقهوة، ومعها صحن “الزلابية” الذي يعشق. ولو تبادرت له صورة شعبه الذي يقف في صفوف البليلة، لضحك وانتشى من علو مكانته التي تجعله شبعانًا والناس جياعًا.. لكن ذلك لم يخطر له طبعًا. أنهى كوبه الأول ثم “دبّل”.. زال صداعه، حمد نفسه، ثم عادت نفسه لتتكدر بعد أن انقشعت نشوة “الزلابية”، وتذكر ما عليه من أشغال في يومه.. قام ليباشر جدول الأعمال.. عليه أن يستمع لتقارير العمليات في البداية.. وهناك ذلك الاجتماع المطول الذي يستمر أبدًا، ومن ثم يجب عليه إلقاء خطاب في أحد المساجد في قرية بطرف ولاية مجاورة..
مرت الساعات متثاقلة، فرغ من كل شيء، ولم يتبقَّ إلا المسجد وشيخه الكبير. وصلوا إلى هناك، استقبله الناس كما يستقبل البسطاء “الغايد”، كانوا يمنحونه كل قيمته، ولم يكن يدرك ذلك، كان يحتقرهم ويظن أن ذلك الاستقبال حقٌّ له.. خطب فيهم بإحدى خطبه المتقلبة الحربائية، كذب ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وختم قوله بـ”كلمتين حقات رجالة وعاطفة كدا”.. وانتهى أخيرًا..
في طريق العودة، كان منهكًا حدّ الإنهاك، من كل هذا.. دماغه خالٍ من كل خاطرة، إلا واحدة تلح عليه، وهي لحظة ينتظرها منذ استيقاظه..
حين رأى اللافتة وتجمّع الناس يشير إلى سيارته، توسعت حدقتا عينيه حتى كادت تصبح كل عينه سوداء ويختفي بياضها، سال ريقه فابتلعه..
[عصائر الكرامة]
صاح أحدهم: “اتفضّل يا ريس”
غلوغ. غلوغ. غلوغ.
“احح.. يا سلااام ياخ”
هكذا يمسي “الغايد” سعيدًا هنيئًا.. غير عابئٍ بشيء.

Leave a Reply