الواقعية في أغاني البنات.. هل حقّقت لنا حلمنا ووصلنا إلى العالمية؟

صحيفة الهدف

منى عبد الرحيم
يُعدّ الأدب النسوي السوداني، المعروف بأغاني السيرة أو السباتة أو أغاني البنات، والذي تؤديه النساء والفتيات أو ما يُعرف بالحكّامات، أحد أشكال الأدب الشعبي الشفاهي الجماعي ذي الطابع الرمزي المرتبط بالواقع المعاش. وهو أدب يرتكز على أسلوب اجتماعي حضاري، مستمد من الواقع بما يحمله من معتقدات وممارسات طقوسية وعادات وتقاليد.
وتُعدّ أغاني البنات تحديدًا تعبيرًا نسائيًا خالصًا، نشأت في سياق اجتماعي وطقوسي متداخل، حيث تجد فيها المرأة مساحة للتعبير عن مشاعرها وتطلعاتها تجاه الرجل والحياة عبر الغناء. وهي بذلك تمثل حصيلة تجارب إنسانية وفلكلورية متوارثة، تنتقل شفهيًا من جيل إلى جيل.
وقد ارتبط هذا اللون الغنائي بالمناسبات الاجتماعية، لا سيما الأفراح والجلسات النسائية الخاصة والعامة، التي قد يحضرها الرجال أحيانًا. ومع الزمن، تحولت هذه الأغاني إلى أحد ألوان الغناء السوداني واسعة الانتشار، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية والوجدان الجمعي، تُقدَّم في المناسبات بوصفها طقسًا اجتماعيًا يعكس رغبات الفتيات في التعبير عن المسكوت عنه.
ففي ظل القيود الاجتماعية والاقتصادية، تجد المرأة في هذه الأغاني متنفسًا رمزيًا للتعبير عن رغباتها وتطلعاتها، بينما يجد فيها الرجل مساحة للتلقي والتفاعل، وربما التباهي بصورة الذات.
وتقوم هذه الثقافة الغنائية على عناصر أداء متعددة تشمل المغنية، والكورس النسائي، وأحيانًا المصاحبة الموسيقية، حيث تقدم المغنية جملًا قصيرة ومباشرة تخاطب فيها النموذج الذكوري الذي يُجسّد صفات مرغوبة، بينما يردّد الكورس النسائي تلك العبارات في صيغة جماعية تعزز الإيقاع والدلالة.
ومن نماذج أغاني الحماسة:
يا ود ملوك العز
النحاسو بِرِز
الله ليا.. يوم لبّسو الكمّامة
ودوه خشم القربة يا الله عودة سلامة
كما تتغنى هذه الأغاني بالرجل الشجاع والمقدام:
عينو حمرا وشرارة
وبالرجل الكريم الشهم:
سمح السمح سوا السمح وجاب السمح
وبالرجل الأنيق:
الأخضر الناير البي البلدي خايل
كما تمتد لتشمل العريس:
سوّ ليه الضفيرة
ربطوا ليه الحريرة
والحبيب:
اسمح لي أجيلك
في عيني بشيلك
أو أشيلك لي مرايا
أعاين ليك برايا
كما تخاطب الأب والأم والأخ والأخت، والقبائل والأماكن، والعواطف المتباينة من حب وعتاب وخيانة واشتياق واعتذار، في تنوع يعكس غنى التجربة الإنسانية.
وتتميز أغاني البنات ببساطتها وصدقها واعتمادها على القوالب الشعبية، ما يمنحها قوة تعبيرية وجاذبية خاصة.
وقد شهد هذا اللون الغنائي تطورًا لافتًا مع بروز جيل جديد من المؤديات اللاتي أُطلق عليهن اسم “القونات”، حيث توسع نطاق الغناء ليشمل موضوعات أكثر تنوعًا وحداثة، مع الحفاظ على الروح الشعبية والواقعية، ومزجها بلمسات معاصرة في اللغة والأداء.
ورغم هذا الانتشار الواسع، فإن أغاني البنات لم تحقق بعد حضورًا عالميًا بالمعنى الكامل، رغم ما تحمله من طاقة فنية وإنسانية عالية.
ومع ذلك، برزت بعض التجارب التي لفتت الانتباه عربيًا، مثل أغنية أنا واحدة واقعية ما بحب دبدوب هدية التي قدمتها توتة، والتي لاقت انتشارًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في مناسبات عاطفية مثل (عيد الحب) وقد تميزت ببساطة الفكرة، ووضوح اللحن، وصدق التعبير، مما جعلها قريبة من المتلقي وسهلة الانتشار.
في المحصلة، تمثل أغاني البنات نموذجًا فنيًا حيًا يجمع بين البساطة والعمق، وبين الواقعية والرمزية، وتظل قادرة على التعبير عن وجدان اجتماعي متجدد، يحتاج فقط إلى مزيد من التوثيق والتطوير ليحجز مكانه في المشهد العالمي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.