هموم: لامين يامال.. جمالٌ يربكُ الصامتين

صحيفة الهدف

مجدي علي
في عالمٍ صار فيه الصمتُ مهارةً للنجاة، والحيادُ استثمارًا مضمونَ الأرباح، بدا مشهدُ الفتى لامين يامال وهو يرفع علمَ فلسطين وسط احتفالات فريقه برشلونة بلقب الدوري الإسباني، كأنه خروجٌ مفاجئ عن نصٍّ كُتب بعناية لنجوم هذا العصر.
ذلك النصّ الذي يسمح لهم بكل شيء، إلا أن يكونوا بشرًا حين يغدو الإنسانُ مكلفًا بموقفه.
لم يكن المشهد عاديًا، فالفتى الذي لم يبلغ الثامنة عشرة ليس لاعبًا عاديًا يحتفل ببطولة. هو موهبة استثنائية أدهشت العالم، وأعادت إلى ذاكرة الجماهير شيئًا من زمن الأساطير الكروية؛ لاعب يتحرك بخفة القصيدة، ويصنع من الكرة موسيقى، حتى ليبدو أحيانًا كأنه قادمٌ من زمنٍ أقدم من هذه اللعبة.
كان يمكنه أن يكتفي بالرقص فوق حافلة التتويج، أن يلوّح للجماهير ويبتسم للكاميرات، ثم يعود إلى مسارٍ تصنعه العقود والرعاة.
كان يمكنه أن يبقى داخل المنطقة “الآمنة” التي يختبئ فيها كثير من المشاهير حين تصبح الإنسانية عبئًا على الشهرة.
لكنه اختار الموقف.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الصورة التي هزّت العالم لم تكن هدفًا ولا مراوغة، بل فتى يحمل علم شعبٍ ينزف، وسط مدينة أوروبية يطغى عليها الضوء والاحتفال وعدسات العالم. وفي لحظة واحدة بدا وكأن تلك الصورة مزّقت الحاجز الذي يفصل الواقع عن الحقيقة.
لقد فهم يامال، رغم صغر سنه، ما يفشل كثير من النجوم في فهمه طوال حياتهم: أن الشهرة بلا موقف مجرد ضوء بارد، وأن التاريخ لا يتذكّر فقط من مرّر وسجّل الأهداف، بل من امتلك الشجاعة حين صار الصمت أكثر أمانًا.
وكان يعلم أيضًا أن الموقف لن يمرّ بلا ثمن.
في عالم كرة القدم، حيث تتقاطع المصالح مع الإعلام والرعاة، قد تتحوّل إشارة صغيرة إلى عاصفة من التحريض والاتهامات.
كان يستطيع أن يختار الطريق الأسهل؛ أن يصمت، وأن يحافظ على صورته “الآمنة”، وأن يواصل صعوده نحو المجد العالمي بلا أي صداع أخلاقي.
لكنه، بوعي نادر لفتى في هذا العمر، اختار أن يتحمّل كلفة الموقف بدل أن يتحمّل خسارة نفسه.
ولهذا انفجرت الهستيريا.
وسائل إعلام الكيان الصهيوني وصفت ما فعله بأنه “استفزاز” و”عار”، وطالب متطرفون بمقاطعة مبارياته ومنع بثها داخل كيانهم الغاصب، بينما وصل التحريض ببعض الأصوات إلى تمنّي إصابته وغيابه عن كأس العالم.
لم يتوقف الأمر عند الإعلام، بل خرجت تصريحات غاضبة من مسؤولين وسياسيين إسرائيليين اتهموه بـ”التحريض” و”إثارة الكراهية”، فقط لأنه رفع علم فلسطين.
كان المشهد كاشفًا إلى حدّ الفضيحة: كل هذا الغضب من فتى يحمل علمًا؟
لكن ما أخافهم لم يكن قطعة القماش، بل المعنى الذي تحمله.
أن يقف لاعب شاب، في قلب أوروبا، وبين عدسات العالم، ليقول دون كلمات إن الفلسطيني يستحق أن يُرى كإنسان، لا كرقمٍ عابر في نشرات الأخبار.
ولأن الصورة كانت أقوى من كل محاولات التبرير، تحوّلت إلى ما يشبه الصفعة الأخلاقية.
فقد أسقط يامال، بعفوية نادرة، الوهم القديم الذي أراد للرياضي أن يكون بلا روح، وبلا رأي، وبلا ضمير.
المفارقة أن هذا الفتى كان أمامه كل شيء: المجد، المال، الشعبية العالمية، وصفحات الصحف التي تتغنى به كل صباح، والشركات التي تبحث عن وجهٍ شاب تضعه في حملاتها وأغلفتها. لكنه أدرك مبكرًا أن الإنسان قد يخسر نفسه بالكامل وهو يحاول إرضاء الجميع.
ولذلك بدا وكأنه ينحاز، بوعي نادر، إلى الإنسان قبل النجم.
ولعل أكثر ما منح المشهد رمزيته، تلك الجداريات التي رسمها فنانون فلسطينيون لصورته فوق أنقاض المباني المدمّرة في غزة. هناك، وسط الركام والغبار، لم يعد يامال مجرد لاعب كرة قدم، بل صار نوعًا من العزاء المعنوي، ورسالة تقول إن فلسطين، رغم كل هذا الخراب، ما تزال حاضرة في ضمير العالم.
حتى ردود الفعل الداعمة كشفت أن ما حدث تجاوز حدود الرياضة.
فقد دافع زميله الخلوق والحريف بيدري عن حق اللاعب في التعبير، مؤكدًا موقف إسبانيا الداعم لحق فلسطين في الوجود، بينما رأى كثيرون في صورة يامال لحظة أعادت ربط كرة القدم بالإنسانية، بعد سنوات طويلة من تحويل اللعبة إلى صناعة باردة تحكمها المصالح وحدها.
إن قوّة الموقف لا تُقاس بحجم الكلمات، بل بحجم الثمن المحتمل خلفها.
ويامال كان يعرف الثمن جيدًا.
كان يعرف أن رفع العلم قد يكلّفه غضب جماعات نافذة، وحملات تشويه، وربما خسارة بعض الرعاة أو الدعم الإعلامي، لكنه فعلها رغم ذلك.
وهذا تحديدًا ما يمنح لحظته معناها الحقيقي؛ فالشجاعة ليست أن تقول ما يصفق له الجميع، بل أن تقول ما تؤمن به وأنت تعرف جيدًا ما قد تخسره بسببه.
لقد أمتع لامين يامال العالم بأهدافه ومراوغاته الساحرة، وأدهش الجماهير بموهبةٍ بدت أكبر من عمره بكثير، لكنه هذه المرة سجّل هدفًا من نوعٍ آخر؛ هدفًا لم يسكن الشباك، بل سكن ضمير الناس.
هدفًا صفقت له قلوب الأحرار في كل مكان، وأغاظ أولئك الذين يخشون أي صوتٍ يُذكّر العالم بفلسطين.
ولهذا بدا المشهد أكبر من كرة القدم.
لقد ذكّرنا يامال بأن الرياضة ليست مجرد أهداف وكؤوس وصفقات بث، بل مساحة هائلة للتأثير الأخلاقي أيضًا. وأن اللاعب العظيم ليس فقط من يُمتع الجماهير بقدميه، بل من يمتلك الشجاعة ليقول شيئًا حقيقيًا وسط هذا الضجيج العالمي الهائل.
وفي زمنٍ تُصادر فيه الحقيقة بالترهيب، وتُباع فيه الضمائر تحت أضواء الشهرة، وقف فتى صغير في قلب المجد الأوروبي ليذكّر العالم بأن الإنسان يمكن أن ينتصر لضميره قبل صورته، ولألمه الإنساني قبل مصالحه.
لم يرفع لامين يامال علمًا فقط. لقد رفع قيمة الموقف في عصرٍ صار الصمت فيه أكثر ربحًا من الحقيقة.
ستمضي المواسم، وتتبدّل البطولات، وتتغيّر أسماء الأبطال، لكن بعض اللحظات لا تبقى لأنها صنعت مجدًا رياضيًا، بل لأنها لامست شيئًا عميقًا في روح البشر.
ولحظة يامال كانت واحدة من تلك اللحظات النادرة التي انتصر فيها القلب على الحسابات، والإنسان على الخوف، والضمير على كل إغراءات المال والإعلام والمجد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.