بروفايل العدد: السابِقُ مِنّا الجَوادْ”: في سيرة (الريّس) عبد الله زِراعة.. رجلٍ اتّسعَ للناسِ جميعًا

صحيفة الهدف

بروفايل: مجدي علي

ثمّة أشخاصٌ لا يمكن الحديثُ عنهم بوصفهم أفرادًا عابرين في الذاكرة؛ لأن حضورهم يتجاوز حدود الشخص إلى معنى أوسع؛ معنى يرتبط بزمنٍ كامل، وتجربةٍ كاملة، ووجدانٍ جماعيٍّ تشكّل حولهم ومعهم. وعبدُ الله محمد الحسن “زراعة” كان واحدًا من هؤلاء.

حين يُستعاد تاريخ الحركة الطلابية السودانية في العراق، لا يرد اسمه بوصفه رئيسًا لرابطة الطلاب السودانيين، بل بوصفه أحد صُنّاع روحها الخفية؛ أولئك الذين منحوا التجربة وجهها الإنساني قبل أن يمنحوها شكلها التنظيمي. لذلك بدا رحيله، عند كثيرين، وكأنه انطفاءٌ لطبقةٍ من الذاكرة، وانهدامٌ لركنٍ ظل طويلًا يسند أجيالًا كاملة من المعنى والانتماء.

في الذاكرة الشعبية نقول “دا زول قدّامي”، وهي ليست عبارة عابرة، بل توصيفٌ أخلاقي لمن يتقدّم الصفوف حين يتراجع الآخرون، ويحمل العبء بلا إعلان، ويمنح حضوره وقت الحاجة لا وقت الظهور. وعبد الله زراعة كان، في جوهره، “زولًا قدّامي” بهذا المعنى العميق الذي لا يحتاج إلى شرح.

لم يكن ذلك امتياز سلطة أو أثر موقع، بل كان امتدادًا لطبيعةٍ إنسانية صافية؛ ميلٍ أصيل إلى الناس، وإحساسٍ راسخ بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يتركه في حياة الآخرين لا بما يحوزه لنفسه. ولهذا لم يكن لقب “الريّس” مجرد توصيف تنظيمي، بل تحوّل مع الزمن إلى علامة محبةٍ راسخة، خرجت من اللسان الشعبي إلى القلب الجمعي لمن عرفوه.

وما أقسى أن يغيب من اعتدنا حضورهم كأنّهم جزءٌ من استقرار العالم! عندها فقط يتقدّم سؤال صلاح أحمد إبراهيم بمرارةٍ مختلفة: “ما الذي أقسى من الموت؟!”.

فها نحن، أمام غياب عبد الله زراعة، لا نواجه الموت بوصفه حدثًا عاديًا، بل بوصفه كشفًا قاسيًا لحدود إدراكنا؛ ندرك سرّه ونستسلم لمرّه، ونوقن أن “الناسُ لِلْموتِ كخيلِ الطِّرَادِ، السَّابقُ منها الجوادُ.. واللهُ لا يدعو إلى دارهِ إلا من استصلح من ذي العباد.. وأنّ الموتَ نقّادٌ على كفّه جواهرُ يختارُ منها الجياد”.. وإنّا لنشهد أنه كان من تلك الجياد.

ولعل أكثر ما يميّز سيرة زراعة أن الإجماع حوله لم يكن نتاج مجاملة اجتماعية، بل حقيقة فرضتها التجربة نفسها. ففي مجتمع الطلاب السودانيين بالعراق خلال الثمانينيات والتسعينيات، حيث كانت السياسة تفتح شروخها على كل شيء، لم يكن الاتفاق على شخص أمرًا يسيرًا أو عابرًا. ومع ذلك، كان عبد الله نقطة التقاء نادرة؛ يحضر دون أن يفرض نفسه، ويقترب دون أن يذيب الآخر، ويختلف دون أن يخاصم الحياة. لم يعرف الانغلاق ولا الاصطفاف الضيق، بل امتلك قدرة نادرة على أن يجعل كل من يجاليسه يشعر بأنه مرئيّ ومُقدَّر ومفهوم. وقد كان في ذاكرة رفاقه “سمح النفس، بسّام العشيات، وفيّ، حليم، عفيف، كالأنسام روحًا وسجايا”، وهي ليست مجرد صفات رثائية، بل محاولة للإمساك بما يتعذّر الإمساك به: أثره في الناس.

ومنذ وصوله إلى العراق، لم يكن يبحث عن موقع، لكن المواقع كانت تقترب منه؛ فصار من أبرز من تولوا قيادة اللجنة التنفيذية لرابطة الطلاب السودانيين بالعراق، وأكثرهم أثرًا في ضبط إيقاعها الإنساني والتنظيمي. كانت علاقته بالناس تكاد تكون ظاهرة مستقلة بذاتها؛ فقد كان يحفظ أسماء مئات الطلاب، ويعرف تفاصيل أسرهم وبيئاتهم وظروفهم، وكأن العمل النقابي عنده امتدادٌ لفكرة الرعاية الأخلاقية لا مجرد إدارة تنظيمية. فما من طالب مرّ بتلك التجربة إلا وترك معه أثرًا أو موقفًا أو يدًا ممتدة في لحظة ضيق.

ولأن مَن رأى ليس كمَن سمع، فإن شهادتي فيه ليست مجاملةً، بل شهادة معرفةٍ ومواقف وتفاصيل. رأيت فيه ما كان يقوله عنه الناس: ثباتًا لا تُحدثه المناصب، وهدوءًا لا تُفسده المسؤولية، وسخاءً لا يُعلن نفسه. ظل “الريّس” كما هو، يحمل العمل دون ضجيج، ويمنح الآخرين من وقته وكأنه لا يعدّه.

كانت داره في “جبرة” ومكتبه في “السوق العربي” فضاءين مفتوحين للناس، حيث تُحلّ القضايا كما تُحلّ العلاقات الإنسانية، بلا تكلّف وبلا استعراض. ولم يبخل يومًا بمال أو جهد أو صلة حتى تنهض الرابطة وتستمر، حريصًا أن تبقى بيتًا جامعًا لا يطرد اختلافاً.

تعلّمنا منه ما لا يُكتب في لوائح التنظيم: الصبر، وسعة الصدر، واحتمال الناس، وفعل الخير حين يكون غايته هو الخير فقط. وحتى خلافاته كانت، بمرور الزمن، تبدو أقرب إلى الصواب منها إلى الجدل.

وأنا كذلك شاهدٌ على علاقته العميقة بأهله وأبناء منطقته في الولاية الشمالية؛ حيث كان حضورًا لا يُختصر في صفة، بل في وظيفة إنسانية كاملة: سندًا وملاذًا و”ريّسًا” حقيقيًا، يفتح بيته وقلبه، ويصل رحمه بمحبةٍ فطرية لا تصطنع.

حين نكتب عن عبد الله ندرك أن اللغة مهما اتسعت تبقى أقل من سعة التجربة، وأن بعض الناس لا يُختصرون في سيرة لأنهم هم أنفسهم صاروا أثرًا ممتدًا في الآخرين.

رحل عبد الله محمد الحسن زراعة، لكن حضوره سيبقى قائمًا في ذاكرة من عرفوه: رجلًا عاش بسيطًا في تفاصيله، عظيمًا في أثره، ومخلصًا لفكرة الخير حتى آخر الطريق.

اللهم بارك في زوجته “هند” وذريته، واجعل سيرته نورًا لهم وفخرًا، وفخرًا لنا نحن خريجي العراق.

#صحيفة_الهدف #أرشيف_السودان #ذاكرة_الوطن #الحركة_الطلابية_السودانية #السابق_منا_الجواد #الريس_عبدالله_زراعة #خريجي_العراق #رابطة_الطلاب_السودانيين_بالعراق #رموز_سودانية #الوفاء_لأهل_العطاء #جبرة #السودان #ملف_الهدف_للحركة_والتجربة_الطلابية #مجدي_علي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.