أزمة التعليم العالي في إنتاج الفاعلية

صحيفة الهدف

زكريا نمر

ليست أزمة شهادات الدكتوراة في ذاتها، بل في التصور المشوه الذي يحيط بها. في الأصل، تمثل الدكتوراة ذروة التخصص والبحث، أي القدرة على إنتاج معرفة جديدة أو على الأقل إعادة تركيبها بطرق تفيد الواقع. لكن في كثير من السياقات، تحولت هذه الشهادة إلى علامة مكانة اجتماعية، تستخدم للوجاهة أكثر مما تستخدم كأداة تغيير. هنا يبدأ الانفصال الخطير بين المعرفة بوصفها فعلاً، والمعرفة بوصفها لقباً.

حين نسأل: ما قيمة الدكتوراة إذا كان الفشل هو النتيجة؟ فنحن في الحقيقة نلامس خللاً أعمق من مجرد تناقض فردي. إننا نشير إلى منظومة تعليمية تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ الابتكار، وتعيد إنتاج نفس الأنماط الفكرية بدل أن تفتح أفقاً جديداً. الطالب يُدرب على إرضاء لجان التحكيم، لا على تحدي الأسئلة الكبرى. يتقن الاقتباس والتوثيق، لكنه قد لا يمتلك الجرأة أو المهارة لتحويل هذه المعرفة إلى أثر ملموس. تصبح الرسائل العلمية طويلة ومتشعبة، لكنها غالباً تدور داخل فضاء مغلق. تُناقش، تُجاز، ثم تُركن في الأرشيف. لا تدخل السوق، لا تغير سياسات، ولا تسهم في حل مشكلات حقيقية. كأن المعرفة تُنتج لتُستهلك داخل المؤسسة نفسها، لا خارجها. وهذا ما يجعل الفشل ليس مفاجئاً، بل نتيجة شبه حتمية لمسار لم يُصمم أصلاً ليكون عملياً.

الأكثر إشكالا هو أن المجتمع يواصل التعامل مع هذه الشهادات بوصفها ضماناً للكفاءة. تُمنح الثقة والسلطة لحامل اللقب، حتى قبل اختبار قدرته الفعلية. وعندما تظهر الفجوة بين التوقع والواقع، لا يُساءل النظام، بل يُختزل الأمر في فشل فردي. بينما الحقيقة أن الفشل هنا مركب: جزء منه يعود إلى ضعف التكوين، وجزء إلى بيئة لا تسمح بتحويل المعرفة إلى تطبيق، وجزء إلى ثقافة تقدس الشهادة أكثر مما تقدس الفعل.

بصراحة أكثر، الشهادة لا تمنح صاحبها امتياز النجاح، بل تضعه أمام مسؤولية أكبر. كلما ارتفع المستوى الأكاديمي، تقل مساحة الأعذار. لأن السؤال لم يعد: ماذا تعلمت؟ بل: ماذا أضفت؟ وما الذي تغير بوجودك؟ إن لم تكن هناك إجابة واضحة، فإن اللقب يتحول إلى عبء رمزي، يكشف أكثر مما يستر.

لهذا، إعادة الاعتبار للدكتوراة لا تكون بالدفاع عنها بشكل أعمى، بل بإعادة ربطها بوظيفتها الأصلية: إنتاج معرفة حية، قابلة للتطبيق، ومرتبطة بسياقها الاجتماعي. بدون ذلك، ستظل الشهادات العليا تدور في حلقة مغلقة، تنتج مظهراً من التفوق، لكنها تعجز عن ملامسة جوهر النجاح.

#التعليم_العالي #أزمة_المعرفة #الدكتوراة #البحث_العلمي #الفاعلية_الاجتماعية #الهدف #السيادة_الوطنية #أخبار_السودان #السودان_2026 #تفكيك_التمكين #ثورة_ديسمبر #التحول_الديمقراطي #المعرفة_والتغيير #العدالة_الأكاديمية #إصلاح_التعليم #مستقبل_السودان #زكريا_نمر #صحافة_السودان #لا_للـحـ.رب #فلسـ.طين #غـ.زة #حمـ.اس #قـ.فص #اغتـ.يال #قـ.تل #حـ.رب #مقـ.تل #إنتاج_المعرفة #الذكاء_الاصطناعي #الانتشار_الواسع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.