النفط بين التنمية والتبعية: لماذا فشلت الدول النفطية في بناء نماذج تنموية مستدامة؟: قراءة في نقد الاقتصاد الريعي وسؤال البدائل

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

تمهيد: لعنة الموارد أم فشل المشروع؟: قبل خمسين عامًا، وتحديدًا في أعقاب حرب أكتوبر 1973، سجلت أسعار النفط قفزة تاريخية. وفجأة وجدت دول الخليج العربية نفسها غارقة في أموال لم تكن في الحسبان. كان الحلم القومي يومها يمر بمنعطف صعب بعد نكسة 1967، وكانت آمال النهضة العربية تبحث عن رئة جديدة تتنفس بها. فبدا النفط وكأنه هبة السماء، وكأن القدر يعوض الأمة ما فاتها.

كانت الرؤية يومها بسيطة وواضحة: النفط سيكون وقود النهضة، وسيموّل التصنيع، وسيبني جيوشًا قوية، وسيستعيد للأمة كرامتها. هكذا في الخطاب. أما اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، يمكننا أن نسأل بمرارة: أين تلك النهضة؟ ماذا بقي من تلك الأحلام؟

التقرير الاقتصادي للمؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي (يناير 2026) يضع إصبعه على الجرح، إذ يقر بحقيقة موجعة مفادها أن الدول الغنية بالنفط لم تنجح بعد أكثر من خمسين عامًا في بناء نماذج تنموية مستدامة، رغم كل تلك الأموال. بل إن ما حدث كان أسوأ: تحول النفط من (محرر) للاقتصاد إلى (سجان) له، ومن أداة لبناء المستقبل إلى وسيلة لإدامة التخلف تحت غطاء الرفاهية الزائفة.

هذا المقال محاولة لفهم لماذا فشلت الدول النفطية في تحويل ثروتها إلى تنمية حقيقية؟ ولماذا تحول النفط في كثير من الأحيان إلى (لعنة)؟ وكيف يمكن للعرب أن يتجاوزوا هذا المأزق قبل أن ينضب النفط أو تفقد أهميته؟

أولًا: دولة الرفاه مقابل الدولة المنتجة – وهم الثراء: ربما كان أخطر ما أنتجه النفط هو وهم (دولة الرفاه) السريعة. فبدلًا من أن تستثمر الدول النفطية أموالها في بناء قاعدة صناعية متينة، وفي تعليم حقيقي، وفي بحث علمي جاد، وفي تنمية زراعية مستدامة، اكتفت بتوزيع جزء من الريع على المواطنين، في شكل رواتب عالية، وخدمات مجانية، ودعم كامل للطاقة والغذاء، ورفاهية استهلاكية فورية.

هذا النموذج له اسمه في الأدبيات الاقتصادية: دولة الريع، لكن ربما ينبغي إعادة تسميته بشكل أدق إلى (دولة الرفاه المؤقت)، مقابل الدولة المنتجة التي تحتاج إلى تعريف مختلف بالكامل.

الفرق بين النموذجين ليس صغيرًا، بل هو فارق في الجوهر:

المعيار

دولة الرفاه (الريعية)/ الدولة المنتجة

مصدر الدخل: إيرادات النفط (خارج السيطرة الوطنية غالبًا)/ إنتاج متنوع (صناعة، زراعة، خدمات متقدمة، تكنولوجيا)

علاقة المواطن بالدولة: الدولة “تعطي” والمواطن “يأخذ” (علاقة توزيع)/ المواطن شريك في الإنتاج والدولة منظمة ومنسقة

الاستدامة: غير مستدامة بطبيعتها (الثروة ناضبة والأسعار متقلبة)/ مستدامة (تعتمد على قدرات ذاتية متجددة)

التنمية البشرية: قد تكون مرتفعة في المؤشرات (صحة، تعليم) لكنها هشة وغير مرتبطة بإنتاج حقيقي/ مرتبطة عضويًا بقدرة المجتمع على الابتكار والإنتاج

الوعي الاقتصادي: استهلاكي (نستورد كل شيء حتى المعلاق)/ إنتاجي (نصنع، نبتكر، نصدر)

إن دولة الرفاه النفطية تشبه إلى حد كبير الأب الغني الذي يوزع مصروفًا شهريًا سخيًا على أبنائه، لكنه لا يعلمهم كيف يصطادون أو يزرعون أو يبنون. والأسوأ أن الأبناء يعتادون هذا الدعم، فيتحولون مع الوقت إلى مجرد متلقين، يفقدون روح المبادرة ويستسلمون للكسل، ويصبحون رهائن له. وعندما ينضب المال أو تنخفض أسعار النفط، ماذا يحدث؟ وما هو السيناريو الذي ينتظرنا بعد انتهاء عصر الذهب الأسود؟

هذا ليس افتراضًا نظريًا، بل ما يحدث الآن: انخفاض أسعار النفط يتحول إلى أزمة موازنات، وأزمة الموازنات تتحول إلى تقشف، والتقشف يتحول إلى استدانة، والاستدانة تتحول إلى تبعية جديدة. وكأننا لم نتعلم شيئًا من نصف قرن من وفرة النفط.

ثانيًا: من أداة تنمية إلى أداة قوة – كيف تحول النفط إلى استثناء صعب؟: ربما كانت الظاهرة الأكثر إثارة للدهشة هي تحول أموال النفط من أداة لبناء الدولة إلى أداة للقوة الناعمة والإقليمية. لماذا؟ لأن بناء الدولة يحتاج إلى صبر وجهد طويلين، بينما شراء التأثير (بالأسلحة أو بتمويل الجماعات أو بشراء ولاءات النخب السياسية والإعلامية) أسرع وأسهل.

يقول التقرير الاقتصادي إن بعض الأنظمة الخليجية باتت تستخدم أموال النفط في بناء قوة عسكرية وأمنية تتسلط بها على مواطنيها، وفي توظيفها كسلاح سياسي لخدمة مصالحها في تغيير بعض الأنظمة العربية، وفي ممارسة أدوار إقليمية أكبر من حجمها، بل وفي التطبيع مع الكيان الصهيوني. وقد تحولت هذه الأموال إلى امتداد لعلاقات القوى العالمية، وأدخلت المنطقة في صراعات ونزاعات لا طائل منها، بعيدة كل البعد عن أهداف التنمية الحقيقية.

وهذه نقطة في غاية الخطورة. فالأصل في أموال النفط أن تكون قوة ناعمة للدولة، تُستخدم في جذب الاستثمارات وتعزيز التنمية وتحسين صورة البلاد. لكن الحاصل أحيانًا هو العكس: تتحول أموال النفط إلى أداة لتوسيع نفوذ النخبة الحاكمة، ودعم مغامراتها العسكرية والسياسية، وتصفية حساباتها الإقليمية، وكل ذلك على حساب تنمية المواطن واحتياجاته الأساسية: العيش الكريم، الوظيفة اللائقة، المستشفى الجيد، المدرسة الجيدة، والبيئة النظيفة.

النتيجة المأساوية أن المواطن في عدة دول نفطية (باستثناء بعضها بدرجات متفاوتة) يعيش حالة من الانفصام: ثراء وطني كبير يقابله ضعف في الخدمات، قوائم انتظار طويلة في المستشفيات، اختناقات مرورية في مدن تفتقر إلى تخطيط عمراني حقيقي، وطبقة وسطى تتآكل، وفجوة واسعة بين الأغنياء والفقراء، رغم أن هذه الدول تُصنف ضمن أغنى دول العالم بالناتج الفردي.

لكن أخطر ما ينتجه الاقتصاد الريعي لا يظهر في الموازنات والأسواق فقط، بل في تكوين الإنسان نفسه. فحين يصبح الدخل منفصلًا عن الإنتاج، يبدأ المجتمع تدريجيًا في فقدان علاقته الطبيعية بالعمل والمعرفة والمبادرة. يتحول الاستهلاك إلى ثقافة، والوظيفة إلى امتياز، والاعتماد على الدولة إلى نمط حياة دائم. وهنا لا تصبح الأزمة اقتصادية فقط، بل حضارية أيضًا، لأن الأمم لا تتقدم بالثروة وحدها، بل بالإنسان المنتج القادر على الابتكار والمخاطرة والعمل الخلاق.

ومع الوقت، نشأ ما يشبه العقد الريعي غير المعلن، حيث توزع الدولة الثروة، بينما يبتعد المجتمع تدريجيًا عن المشاركة الإنتاجية والسياسية الفاعلة، ويتحول الاستقرار الاقتصادي المؤقت إلى حالة من الاعتماد البنيوي طويل المدى.

ثالثًا: مخاطر المستقبل – عندما ينتهي عصر الذهب الأسود: يضيف التقرير الاقتصادي تحذيرًا إضافيًا، إذ بات واضحًا أن من يتحكم في السوق النفطي هم المستوردون وليس المصدرون، أي أن حجم الطلب هو من يقرر السعر العالمي للنفط. هذا بالإضافة إلى تنامي أهمية النفط الصخري والطاقة المتجددة والتحولات التكنولوجية المتسارعة التي ستحدد بدورها حجم الطلب وأنواع الطاقة المفضلة. هذه العوامل ستعرض الاقتصادات القائمة على النفط لمزيد من الضغوط في المستقبل.

هذا ليس مجرد تحذير نظري. إنه واقع يحدث الآن:

1/ النفط الصخري الأمريكي: غيّر معادلة السوق العالمية، وحوّل الولايات المتحدة من أكبر مستورد للنفط إلى مصدر صافٍ. وهذا يعني أن أميركا لم تعد بحاجة إلى (تأمين) نفط الخليج العربي بالطريقة السابقة. ولهذا تداعياته الجيوسياسية الهائلة على المنطقة.

2/ الطاقة المتجددة: تتراجع تكاليفها بسرعة غير مسبوقة. كثير من دول العالم تضع خططًا للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. وتسعى أوروبا إلى الاستقلال عن النفط والغاز الروسي عبر التسارع في استخدام الطاقة المتجددة. وقد حددت دول كثيرة موعدًا لوقف بيع السيارات التي تعمل بالبنزين.

3/ التوجه العالمي نحو الحياد الكربوني: (Net Zero) مؤتمرات المناخ (COP) المتعاقبة تضع أهدافًا ملزمة للدول لخفض انبعاثات الكربون. كما يتزايد الضغط على الشركات والمؤسسات المالية للتوقف عن تمويل مشاريع الوقود الأحفوري يومًا بعد يوم.

4/ التحولات التكنولوجية: السيارات الكهربائية، وكفاءة الطاقة، والبطاريات المتطورة، كلها عوامل مستمرة في النمو، وستقلص الطلب على النفط في العقود القادمة بشكل كبير.

السؤال الذي تطرحه هذه التحولات هو: ماذا يحدث للأقطار العربية التي بنت اقتصاداتها بالكامل على النفط؟ ماذا يحدث عندما ينخفض الطلب إلى النصف؟

أو يختفي بالكامل في سيناريو انتقال العالم إلى بدائل الطاقة النظيفة؟ أين ستكون احتياطاتها المالية التي ادّخرتها على مدى خمسين عامًا؟ وهل كانت تلك الاحتياطيات نتيجة ارتفاع أسعار النفط أم أنها نتاج تنويع حقيقي للاقتصاد؟

لا شك أن بعض الأقطار الخليجية أطلقت مبادرات طموحة لتنويع اقتصاداتها (رؤية السعودية 2030، وخطط الإمارات والكويت وقطر…)، لكن مدى نجاح هذه المبادرات في تحقيق تحول جذري بعيدًا عن النفط لا يزال موضع تساؤل. وهل ستكون قادرة على خلق اقتصادات إنتاجية متنوعة في فترة زمنية قصيرة نسبيًا قبل أن يفقد النفط أهميته الاستراتيجية؟

ومع ذلك، فإن الصورة ليست واحدة تمامًا بين جميع الأقطار النفطية. فبعض التجارب الخليجية نجحت نسبيًا في بناء بنى تحتية متقدمة، وتطوير قطاعات مالية وخدمية وسياحية مهمة، كما حققت تقدمًا في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والتعليم. غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بحجم الإنجاز العمراني أو المالي فقط، بل بمدى قدرة هذه التحولات على إنتاج اقتصاد مستقل ومستدام بعد النفط، قادر على خلق المعرفة والتصنيع والابتكار بوصفها مصادر أساسية للقوة.

وتجارب العالم تثبت أن الموارد الطبيعية ليست لعنة بالضرورة. فدول مثل النرويج استخدمت عائدات النفط لبناء صندوق سيادي ضخم، واستثمرت في التعليم والتكنولوجيا والبنية المؤسسية، بينما استطاعت دول شرق آسيا، رغم فقر مواردها الطبيعية، أن تبني اقتصادات صناعية ومعرفية هائلة بالاعتماد على الإنسان والانضباط والتخطيط طويل المدى. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في وجود النفط، بل في طبيعة المشروع السياسي والتنموي الذي يدير هذه الثروة.

رابعًا: لماذا فشل النموذج التنموي النفطي؟ (خلاصة الأسباب)

إذا أردنا تلخيص أسباب فشل الأقطار النفطية في بناء نموذج تنموي مستدام، يمكننا أن نذكر:

1/ الريع بدلًا من الإنتاج: الاعتماد على إيرادات النفط وفر البدائل السهلة، فدفع الدولة إلى توزيع الريع بدلًا من تنظيم الإنتاج.

2/ ضعف المؤسسات: تدفق الأموال السريعة غالبًا ما يصاحبه ترهل في المؤسسات، وفقدان للمساءلة والشفافية. وقد يُستخدم الريع لشراء الولاءات بدلًا من بناء مؤسسات مهنية.

3/ النخب المستفيدة من استمرار الريع: تتشكل نخب اقتصادية وسياسية تعيش على الريع، وتملك مصلحة في استمرار الوضع القائم، وترفض أي تحول جذري يهدد مصالحها، مثل التحول نحو الضرائب أو نحو اقتصاد منتج.

4/ التبعية المعرفية والتكنولوجية: بدلًا من بناء صناعة وطنية قائمة على الابتكار، اكتفت الأقطار النفطية باستيراد كل شيء: السلع الاستهلاكية، والمواد الغذائية، وحتى الخبرات والكوادر البشرية. وهذا خلق حالة من العجز التكنولوجي والمعرفي المزمن.

5/ التبديد في مشاريع المكانة والرفاهية الزائفة: الانتقال من (دولة التنمية) إلى (دولة الفعاليات والمهرجانات والفخامة والمشاريع العملاقة)، وهي مشاريع تستهلك كثيرًا من الأموال دون أن تبني قاعدة اقتصادية وإنتاجية حقيقية.

العالم لا يدخل فقط مرحلة ما بعد النفط، بل مرحلة ما بعد الاقتصاد التقليدي نفسه. فالثروة المستقبلية لن تقوم أساسًا على الموارد الخام، بل على المعرفة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج الأفكار. والدول التي لا تبدأ منذ الآن في بناء اقتصاد معرفي حقيقي قد تجد نفسها خارج التاريخ الاقتصادي الجديد، حتى لو امتلكت أكبر احتياطيات النفط. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لن تكون لمن يملك الآبار فقط، بل لمن يملك العقول.

ولو جرى توظيف الثروة النفطية ضمن مشروع تكامل عربي حقيقي، لكان بالإمكان بناء واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم، تجمع بين المال والطاقة والسوق والموارد البشرية والموقع الجغرافي. لكن التجزئة العربية حولت الثروة إلى مشاريع قطرية متنافسة بدل أن تكون قاعدة لنهضة مشتركة.

خاتمة: من الريع إلى الإنتاج – هل من سبيل؟

النفط ليس لعنة بحد ذاته. النفط ثروة عظيمة، ويمكن أن يكون نعمة إذا أُحسن استخدامه. ولكن لتحويله من لعنة إلى نعمة، نحتاج إلى:

1/ إرادة سياسية حقيقية لبناء اقتصاد منتج، وليس مجرد خطط ووعود على الورق.

2/ إصلاح مؤسسي جذري يضع الكفاءة والشفافية والمحاسبة في قلب النظام، ويكسر احتكار النخب المستفيدة من الريع.

3/ استثمار الريع النفطي في بناء قدرات بشرية وتكنولوجية حقيقية (تعليم، بحث علمي، تدريب مهني)، وإلا فإن أي تنويع اقتصادي سيبقى سطحيًا.

4/ ربط سياسات التنمية بمشروع قومي عربي واضح، بدلًا من المشاريع القطرية المنعزلة التي تتنافس على جذب الاستثمارات الأجنبية وتفتقر إلى التكامل. فالسوق العربية المشتركة يمكن أن تكون محركًا قويًا للتنويع الاقتصادي.

إن التحول الحقيقي لا يبدأ من زيادة الإيرادات، بل من إعادة تعريف معنى التنمية نفسها. فالتنمية ليست عدد الأبراج ولا حجم الصناديق السيادية فقط، بل قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وبناء الإنسان، وتحويل الثروة المؤقتة إلى قوة حضارية دائمة. النفط قد يبني المدن بسرعة، لكنه لا يبني الأمم وحده. الأمم تُبنى حين تتحول الثروة إلى تعليم، والتعليم إلى وعي، والوعي إلى إنتاج، والإنتاج إلى استقلال تاريخي.

في النهاية، القضية ليست مجرد أرقام في ميزانيات أو مشاريع عملاقة، بل تتعلق بمستقبل أجيال بأكملها في الأقطار النفطية والعربية عمومًا. هل نريد لأبنائنا أن يعيشوا على ذكريات (الطفرة) و(الرفاهية) الماضية بعد أن ينضب النفط؟ أم نريد لهم مستقبلًا في دولة منتجة، دولة تبتكر وتصنع وتعلم وتخطط، دولة تقوم على كرامة الإنسان وعمله وإبداعه، وليس على الانتظار والتوزيع؟ لقد ضاعت خمسون عامًا. هل نستطيع استغلال ما تبقى من الوقت قبل فوات الأوان؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.