يوسف الغوث
شهدت العاصمة الألمانية برلين مشهداً استثنائياً جمع بين محمد سيد الجاكومي رئيس الجبهة الثورية والدكتور عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان السابق، لكن الأجمل من اللقاء كان التبرير الذي أذهل المراقبين حين قال الجاكومي بكل عفوية إن حمدوك هو من بادره بالسلام أولاً، ثم أضاف العبارة التي أطاحت بكل التحليلات السياسية الثقيلة (ما يجمع بيننا هو فريق المريخ).
ومن هنا تحديداً تبدأ المتعة الرياضية الحقيقية؛ إذ تحول لقاء كان من المفترض أن يقرأ في سياق المصالحات السياسية إلى مباراة كروية بامتياز، فقد جمع فريق الأحلام الأحمر، مريخ الشعب، بين رجلين لم يجمع بينهما من قبل لا سلطة ولا ثورة ولا حتى جلسة تفاوض واحدة، بل جمعتهما قصة قميص واحد وشعار واحد وتاريخ واحد هو تاريخ نادي المريخ السوداني؛ وذلك لأن كرة القدم عندما تدخل على الخط فإنها تلغي كل الحواجز وتجعل الرجلين اللذين كانا على طرفي نقيض يتحدثان بلغة المدرجات وكأنهما صديقان قديمان التقيا بعد طول غياب.
والسخرية اللذيذة هنا أن فريق الهلال، الغريم الأبدي، ظل واقفاً خارج هذا المشهد تماماً وكأن القدر أراد أن يقول للجميع إن الهلال (أخونا الصغير) لم ولن يستطع أبداً أن يقدم خدمة سياسية بحجم ما قدمه المريخ في برلين، ولا أبالغ إذا قلت إن الهلاليين حين سمعوا بالخبر شعروا للحظة أنهم بحاجة إلى مفاوضات جديدة مع الأزمنة لأن فريقهم لم يظهر حتى كطرف في النكتة، ولم يذكر اسمه إلا كغياب طريف يزيد الموقف جمالاً وسخرية في آن واحد.
إن المتتبع للشأن الرياضي السوداني سيلاحظ أن الهلال طوال تاريخه لم يشهد له موقف مماثل، حيث إن جمهوره الشغوف لم يستطع أبداً إنتاج لقاء سياسي مثل هذا، وحين سئل أحد كبار مسؤولي الهلال قديماً عن إمكانية حدوث شيء كهذا قال مازحاً: (الهلال يجمع القلوب لكن ليس في برلين وليس بين قادة الجبهة الثورية ورؤساء الوزراء)، وهو اعتراف غير مباشر بأن المريخ يمتلك قدرة استثنائية على صنع المعجزات، بينما يظل الهلال أسير المباريات العادية التي لا تصلح إلا للبطولات المحلية، وليس في الأمر عجب لفريق أكبر إنجازاته كأس الممتاز.
إن لغة الرياضة أبلغ من كل الخطابات والمواقف السياسية، فهي التي جمعت بين الجاكومي وحمدوك واللذين قدما نموذجاً حياً على أن كرة القدم السودانية ليست مجرد تسلية، بل هي ملاذ موازٍ للدولة حيث يلتقي العدو والصديق والغريم والمخلص تحت راية واحدة.
وفي هذا السياق يمكن تصور سيناريو طريف آخر بافتراض أنه كان مكان المريخ فريق الهلال، فهل سوف يقوم الجاكومي وحمدوك بمصافحة بعضهما أم سوف ينشغلا بالحديث عن أسباب عدم الفوز بالدوري أو عن الأخطاء التحكيمية التي تعرض لها الفريق في مباراته أمام نهضة بركان المغربي، بدلاً من مناقشة قضايا السلام والثورة؟
من ناحية أخرى لا بد من الإشارة إلى أن ما حدث في برلين يفتح الباب أمام تساؤلات رياضية خطيرة، منها على سبيل المثال: هل يمكن أن نشهد في المستقبل مبادرات سلام برعاية المريخ بدلاً من الأمم المتحدة؟ وهل يمكن لعبد الله حمدوك أن يعين الجاكومي وزيراً للرياضة في حكومة قادمة على أساس أنهما يجتمعان على حب المريخ؟
في سياق متصل يمكن القول إن المشهد البرليني والذي قام به نادي الشعب، فتح شهية الكثير من الجماهير السودانية لتخيل مواقف مشابهة، مثل أن يجتمع رئيس مجلس السيادة وقائد الدعم السريع تحت لافتة فريق أهلي شندي مثلاً، أو أن يتصالح حزبان متناحران في استراحة ملعب المقرن.
إن الواقع يؤكد أن المريخ كان الأسبق في هذا المضمار لأنه ببساطة يمتلك جاذبية فوق سياسية لا تمتلكها الأندية الأخرى، ولهذا فإن جماهير الهلال مطالبة اليوم بالجلوس بهدوء والتوقف عن السخرية من المريخ لأنهم ببساطة وجدوا أنفسهم فجأة في موقع المشاهد وليس البطل، ولأن الضحكة التي أطلقتها جماهير المريخ أمس في برلين ستظل تتردد في الممرات السياسية والرياضية لسنوات قادمة.
في الختام، يبقى السؤال الأهم: إذا كان المريخ قد نجح في جمع خصمين سياسيين في برلين، فهل يمكن للهلال أن يفعل الشيء نفسه في الخرطوم؟ أم أن المهمة تحتاج إلى زيارة جديدة إلى ألمانيا وسيناريو أشبه بالفيلم الرياضي الساخر الذي لا يتكرر إلا حين يحلو للقدر أن يسخر من الألوان الزرقاء؟ وبين هذا وذاك نؤكد أن كرة القدم السودانية لا تعرف المستحيل لكنها تعرف جيداً الفرق بين من يصنع التاريخ ومن يكتفي بمشاهدته من المدرجات.
وآخر دعوانا أن يحفظ الله المريخ ويوفقه في مبارياته القادمة وموسمه الجديد، أما الهلال فنهديه باقات ترحيب بحجم حضورهم الغائب في مؤتمر برلين التاريخي.
اللهم احفظ بلادنا من كل شر.
#ملف-الهدف-الرياضي #السودان #المريخ #الهلال #الجاكومي #حمدوك #برلين #نادي_الشعب #الكرة_السودانية #صحيفة_الهدف #لا-للـحـ.رب #السيادة_الوطنية #مستقبل-السودان

Leave a Reply