أمجد السيد
في عالمٍ اعتاد أن يحتفي بالواجهة وأن يصفق لمن يقفون تحت الضوء وأن يمنح المجد لمن تظهر صورهم علىالشاشات وتتردد أسماؤهم في الأخبار ظلت هناك فئة عظيمة تعمل بصمت تصنع الأثر الحقيقي وتمنح الحياةمعناها وتبني الجمال والمعرفة والوعي ثم تمضي دون ضجيج وكأنها تقول يكفينا أن ما صنعناه وصل إلى الناس ولولم يعرفوا أسماءنا هؤلاء هم المبدعون الحقيقيون خلف الكواليس
أولئك الذين لا تراهم الجماهير كثيرًا لكن الجماهير تعيش على ما يصنعونه كل يوم
من الذي يمنح القصيدة روحها قبل أن تصلنا مكتملة؟
إنه الشاعر الذي يسهر على الكلمات ويعيد تشكيل اللغة حتى تصير نبضًا ومن الذي يجعل اللحن يلامس القلب؟إنهالملحن الذي يسكب روحه في النغم والعازفون الذين يحولون الورق الجامد إلى حياة تسري في أوصالنا ومن الذييصنع الدهشة في فيلمٍ أبكانا أو عملٍ درامي هز وعينا؟إنه كاتب السيناريو الذي نسج الحكاية والمخرج الذي قرأالتفاصيل بعين الفنان ومعدّ البرامج الذي صاغ الفكرة وفريق الإعداد الذي عمل بصبر ودقة حتى خرج العمل كمارأيناه
ومن الذي يبني الفكرة السياسية أو المشروع الفكري أو المبادرة المجتمعية؟إنهم أولئك الجنود المجهولون
الباحثون وكتّاب الأوراق وصنّاع الرؤية
والعاملون بصمت في مطابخ القرار الذين يهيئون النجاح لغيرهم ثم ينسحبون في هدوء تاركين الأثر يتحدث عنهموفي المؤسسات هناك إداريون ينسجون النظام من الفوضى ويصنعون النجاح من التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفتإليها أحد وفي الصحافة هناك محررون يصقلون النصوص ومصححون لغويون يحرسون جمال اللغة ومعدونيجهزون الملفات ومصورون يلتقطون لحظة الحقيقة ومونتير يحول المادة الخام إلى قصة تنبض بالحياة
وفي المسرح وفي التعليم وفي البحث العلمي وفي التقنية وفي كل مجال هناك دائما شخص مجهول يصنع الفرقكله
المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء لا ينالون ما يستحقونه من الاعتراف لأن عصرنا صار يبالغ في تقديس الظهور حتى اختلطعلينا الأمر فصرنا نحتفي بمن يُرى أكثر مما نحتفي بمن يصنع ما نراه وهنا تولد فكرة تستحق أن تتحول إلى تقليدإنساني وثقافي واجتماعي لماذا لا يكون لدينا يوما سنوي نحتفي فيه بالمبدعين الحقيقيين؟يوم لا تُرفع فيه صورالمشاهير وحدهم بل تُرفع أسماء الذين صنعوا الشهرة من خلف الستار
يوم نكرّم فيه الشاعر الذي كتب ولم يصفق له أحدوالملحن الذي صنع خلود الأغنية
والعازف الذي منحها روحهاوالسيناريست الذي خلق الدهشة
والمخرج الذي صاغ الرؤيةومعدّ البرامج الذي أدار الفكرة
والباحث الذي أسس المعرفةوالإداري الذي حفظ المؤسسة
والسياسي الذي صنع القرار دون أن يطلب مجدًا شخصيًا وكل من اختار جوهر العمل على بريق الصورة
يمكن أن يسمى هذا اليوم يوم المبدع الحقيقي أو يوم صُناع الأثر أو يوم العطاء الصامت
أو وهو الاسم الأقرب لروح الفكرة يوم من وراء الضوء لأن الحضارات لم تبنها الواجهات وحدها بل بناها أولئك الذينعملوا بصمت وحملوا المشقة وأتقنوا ما يفعلون ثم تركوا بصمتهم في وجدان الناس دون أن يطلبوا مقابلًا سوى أنيكون ما صنعوه جديرا بالبقاءإن تكريم هؤلاء ليس مجاملةإنه رد اعتبار لفكرة العمل نفسهاواعتراف بأن القيمةالحقيقية لا تُقاس بكم مرة ظهر الإنسان أمام الناس بل بكم أثرًا تركه في حياة الناس تحية لكل من صنع جمالًا ولم يُر
وكتب فكرة ولم يُذكر
وأضاء طريقًا ولم يُعرف اسمه أنتم لستم خلف الكواليس أنتم الكواليس التي لولاها لما كان هناك مشهد أصلًا.

Leave a Reply