حين تتغيّر الحياة ولا يتغيّر الامتحان، تسقط العدالة أولًا

صحيفة الهدف

د.حنان الهادي
#ملف_الهدف_الثقافي
في زمن الحرب، لا تكون الأسئلة فقط على الورق، بل في حياة الطلاب أنفسهم. فليست كل قاعة امتحان هادئة؛ بعضها تُفتح نوافذها على أصوات القلق لا على التركيز. وبعض الطلاب لا يراجعون دروسهم فقط.. بل يحاولون أن يتذكروا كيف كان شكل الحياة قبل الحرب.
في السودان اليوم، يجلس طلاب شهادات مراحل مختلفة بين مدنٍ غير مستقرة، ومعسكرات نزوح، ودولٍ لم يختاروها، لكن وجدوا أنفسهم فيها.
كتب متناثرة، مناهج غير مكتملة، معلمون غائبون، وأسئلة لا تأتي من المنهج وحده. ورغم ذلك، يُطلب منهم أن يؤدّوا الامتحان كما لو أن كل شيء على ما يرام، وأن الظروف متساوية!
في السودان، يحمل الإصرار على استمرار الامتحانات وجهين:
– وجه إيجابي: محاولة الحفاظ على الاستمرارية وعدم انهيار النظام التعليمي.
– ووجه مقلق: تجاهل الفروقات الهائلة في ظروف الطلاب.
طالب في مدينة مستقرّة نسبيًا ليس كطالب في معسكر نزوح، وطالب لديه إنترنت وكتب ليس كطالب يبحث عن مكان يذاكر فيه. ومع ذلك، يُطلب من الجميع أن يُمتحنوا بالورقة نفسها وفي الزمن نفسه.
حين يشعر الطالب أن النتيجة لا تعكس جهده، بل ظروفه… وحين تتحول الشهادة من إنجاز إلى عبء نفسي… هنا لا نكون قد حافظنا على التعليم، بل على شكله فقط.
فالتعليم تحت النار تجربة إنسانية متكرّرة.
ما يحدث في السودان ليس استثناءً. في سوريا، خلال سنوات الحرب، كان الطلاب يتوجهون إلى قاعات الامتحان بين الحواجز العسكرية، وأحيانًا تحت القصف، ومع ذلك استمرت الامتحانات.
وفي أفغانستان، واجه الطلاب، خاصة الفتيات، تحديات مضاعفة، حيث لم يكن الامتحان اختبار معرفة فحسب، بل اختبارًا لحق التعليم نفسه.
أما في أوكرانيا، ومع اندلاع الحرب، تحولت بعض الامتحانات إلى نماذج إلكترونية، وأُعيد تصميمها لتراعي ظروف النزوح واللجوء.
وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، كان أحد أكبر التحديات إعادة بناء نظام تعليمي يعيد الثقة قبل الشهادات.
في كل هذه التجارب، لم يكن السؤال: “هل سيؤدي الطلاب الامتحان في موعده؟” بل: هل الامتحان نفسه عادل؟
كيف نقيس أداء طالب فقد منزله؟ أو مدرسته؟ أو حتى شعوره بالأمان؟
هل يمكن لورقة واحدة أن تختصر عامًا كاملًا عاشه الطالب بين الخوف والتشظي؟ وهل من بدائل؟
نعم.. حين يفرض الواقع إعادة التفكير، فالتجارب العالمية تشير إلى حلول ممكنة.
التاريخ الحديث يقول لنا بوضوح: عندما تتغيّر الظروف، يجب أن تتغيّر أدوات التقييم.
خلال جائحة COVID-19واجه العالم أزمة غير مسبوقة. لم يكن ممكنًا عقد الامتحانات بالشكل التقليدي. فماذا حدث؟
– تم إلغاء بعض الامتحانات النهائية.
– اعتماد التقييم التراكمي بدل الاعتماد الكامل على امتحان واحد.
– أُعطيت المدارس دورًا أكبر في تحديد النتائج.
– مراعاة الفروقات الجغرافية والظروف الاستثنائية.
– توفير بدائل (حضوري/ إلكتروني/ مؤجّل).
– ظهرت بدائل مرنة مثل الامتحانات المنزلية أو الرقمية.
– دعم نفسي وتعليمي موازٍ.
كانت الرسالة واضحة: العدالة أهم من الشكل التقليدي للامتحان. هذه ليست رفاهية، بل ضرورة في زمن الحرب.
اليوم، كثير من الطلاب السودانيين في دول الخليج ودول أخرى يتجهون إلى مدارس تعتمد مناهج دولية أو نظمًا تعليمية بديلة ومرنة. لماذا؟
ليس فقط بحثًا عن “جودة أعلى”، بل عن نظام أكثر استقرارًا وعدالة في ظل ظروف متقلّبة.
ما الذي يمكن أن يتعلّمه السودان؟
البدائل ليست معقّدة كما نتصور:
– يمكن التفكير في تقليل وزن الامتحان النهائي لصالح التقييم التراكمي.
– إتاحة أكثر من مسار للامتحان (حضوري، إلكتروني، مؤجّل).
– مراعاة الفروقات الجغرافية بدل افتراض تكافؤ غير موجود.
– إدخال عناصر تقييم مستمرة تعكس جهد الطالب الحقيقي.
ليست هذه رفاهية.. بل ضرورة في زمن غير طبيعي.
حين يفقد الامتحان معناه، يصبح الخطر ليس في صعوبته، بل في شعور الطالب أن النتيجة لا تعكس جهده، بل ظروفه. هنا لا نحافظ على التعليم، بل على شكله فقط.
في زمن الحرب، لا يُختبر الطلاب وحدهم، بل يُختبر النظام كله.
وهنا لا يعود الامتحان مجرد أداة تقييم، بل يصبح اختبارًا لعدالة النظام نفسه.
فالامتحان الحقيقي ليس في الورقة، بل في قدرتنا على تحقيق العدالة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.