بين ميكانيكا القطار وسراب الشاشة: في الحفاظ على وجدان سوداني واحد

صحيفة الهدف

محمد شريف
#ملف_الهدف_الثقافي
يظل الوجدان السوداني مسكونًا بجدلية المسافة، التي لا تمثّل مجرد بُعد مكاني عابر بقدر ما هي عائق تاريخي صُمّم بعناية فائقة منذ مطلع القرن العشرين ليكون حاجزًا وجدانيًا ومعرفيًا. فبينما كانت الجغرافيا قديمًا هي الزنزانة التي حُبس فيها السودانيون قسرًا عبر قوانين “المناطق المقفلة” الصارمة التي عزلت دارفور وجنوب السودان وجبال النوبة، تبدو الوساطة الافتراضية اليوم بمثابة الفضاء الذي يمنحنا وهمًا مخادعًا بالحرّية، بينما هي في واقع الأمر تعيد إنتاج العزلة بصورة أكثر حداثة وتعقيدًا تحت مسمى “العزلة داخل الاتصال”، حيث نتبادل الرموز دون أن نتقاسم الأرواح.
وبالعودة إلى أربعينيات القرن الماضي، التي أرّخ لها أحمد خير في كتابه العمدة (كفاح جيل)، نجد أن السكك الحديدية كانت تمثل “الإنترنت الحقيقي” لذلك الزمان، إذ لم تكن مجرد وسيلة صماء لنقل البضائع والركاب، بل كانت الناقل الحيوي للبيانات الثقافية والاجتماعية التي تحمل اللهجات والأزياء والأغنيات والأفكار الوطنية المتفجرة من بورتسودان شرقًا إلى نيالا غربًا.
وفي هذا السياق التاريخي الممتد يبرز “مؤتمر الخريجين” كأهم محاولة مدنية لصياغة هوية قومية جامعة عبر أداة التعليم. إلا أن هذه المحاولة الوطنية واجهت مفارقة تنموية مريرة وجديرة بالتأمل، تجلّت في مدينة الفاشر التي ساهمت وحدها بمبلغ 1040 جنيهًا في عام 1941 لدعم برنامج “يوم التعليم”، وهو مبلغ ضخم يمثل ثُمن إجمالي تبرعات السودان قاطبة آنذاك، ويعبّر عن إرادة جمعية جبارة وتضحية مادية حقيقية للالتحاق بركب الوعي الحديث. ورغم هذا السخاء الوطني المنقطع النظير، لم تشهد دارفور في تلك الفترة نشوء مدرسة وسطى واحدة أو معهد علمي أو حتى معهد للقرآن برعاية المؤتمر مباشرة. ولم يكن ذلك نتاج إهمال متعمّد من النخبة بقدر ما كان نتيجة مباشرة لسياسات المستعمر البريطاني، الذي وضع العراقيل الإدارية والسياسية والقيود الصارمة لمنع “الأفندية” من اختراق أقاليم الهامش وتحويل تلك الموارد المالية إلى مؤسسات تعليمية فاعلة، مفضّلًا إبقاء تلك المناطق تحت سلطة الإدارة الأهلية التقليدية بعيدًا عن رياح التغيير القومي.
ومن هنا نلمس بذور الصدع البنيوي الذي نعيشه اليوم، حيث توفر المنصات الافتراضية اتصالًا لحظيًا مكثّفًا، لكنه يفتقر تمامًا إلى “الكثافة الوجدانية”، ويحوّل التضامن الوطني إلى فعل منخفض التكلفة يكتفي بمجرد إعجاب أو مشاركة عابرة على الشاشات، لا تترك أي أثر ملموس في الواقع المادي أو في موازين القوى الاجتماعية.
إن ترميم النسيج الوطني السوداني، الذي تآكل عبر عقود من العزل المتعمد، يتطلّب بناء ما يمكن تسميته بـ”البنية التحتية الوجدانية”، التي لا تُشيّد أبدًا بالألياف الضوئية أو المحادثات الرقمية، بل تتأسّس عبر الحضور الفيزيائي والتماس المباشر في المكان الجغرافي الذي أدى عزله تاريخيًا إلى تجمّد التفاعل الطبيعي بين الفنون، مما حرم الموسيقى المركزية من إيقاعات الأطراف المعقدة مثل “الكرنق” و”الجراري”، وحرم الفن التشكيلي في الأقاليم من مدارس الحداثة والوعي النقدي.
لقد جعل هذا الانفصال مفهوم “التشطير” الثقافي يبدو كأنه مجرد تقنية شعرية جافة لتوليد القوافي، بدلًا من أن يكون فلسفة حياة وطنية تمزج بين الرمزية البصرية العميقة للأطراف والعقلانية التنظيمية للمركز في لوحة سودانية متكاملة.
ولذلك، فإن الرد العملي والمستدام على سطحية التواصل الافتراضي التي تضعف ردم الهوة يكمن في تبنّي استراتيجية “الارتحال الثقافي الممنهج”، التي تعيد الاعتبار للمكان كفراغ إبداعي يجب ملؤه بالفعل الإنساني والميداني الملموس. لأن الهوة النفسية والتنموية التي بدأت بتلك التبرعات المفقودة في الفاشر لن تُردم إلا بفعل مادي موازٍ، يشعر معه إنسان الهامش أن المركز شريك حقيقي في بناء المدرسة والمعهد واللوحة في قلب دياره، بعيدًا عن سراب الشاشات الزرقاء التي قد تقرّب المسافات الظاهرية لكنها لا تبني وطنًا حقيقيًا.
فالوطن يُبنى حين يغبّر المثقّف قدميه بتراب الأقاليم البعيدة، وحين تتحوّل الموسيقى من مجرد ملف صوتي في سماعة هاتف إلى نبض حي وهادر في ساحة عامة تجمع كل السودانيين في حوار جسدي وبصري وسمعي، لا تستطيع أقوى الخوارزميات الرقمية محاكاته أو تعويضه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.