“تب الهَلْبَة غرب”: خذوا الحكمة من أفواه المجانين

صحيفة الهدف

أبو ذر الغفاري بشير عبد الحبيب
#ملف_الهدف_الثقافي
رجل خمسيني، وسيم القسمات لمن يتفحّصها، تغطي وجهه مسحات ريفية. نزل مدينة الدويم في وقتٍ لا يستطيع أحد أن يجزم به على وجه التحديد، لكن أهل المدينة وجدوه بينهم هكذا، ثم أصبح جزءًا من ملامحها طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. كان يطوف أحياءها طولًا وعرضًا، ويحمل بيديه عصيًا لا يتوكأ عليها، وليس له غنم يهشّ بها عليها، وعلى ظهره “خِرتاية” – وهي كيس من قماش الدمورية – يحمل فيها كل أملاكه في الدنيا، التي لا تزيد على بعض الأواني الفارغة وملابس مهترئة.
يقول بعض الناس إنه قدّم من (الهَلْبَة)، وهي قرية تقع على الخط الرابط بين مدينة الدويم والامتداد شبه الصحراوي بينها وبين ولاية شمال كردفان. ومن هذه القرية أخذ اسمه (الهَلْبَة غرب)، الذي عُرف به بين الناس، كما أخذه أيضًا من صياحه الدائم باسمها؛ فلا يفتأ، كلما شعر بالرتابة أو استفزّه أمر، أن يصرخ في وجه الناس: “تب الهَلْبَة غرب.. تب الهَلْبَة غرب”. ولعلها كانت نذارة مبطّنة لأمرٍ قادم لا يعيره الناس انتباهًا؛ فقد أصدر إشارات كثيفة تدل على عدم رضاه عن اختلال التوازن التنموي المتصاعد بين المدينة والريف، وعن المعاناة التي يعيشها أهل قريته في الهَلْبَة.
عبر الرجل كثيرًا عن اندهاشه من مظاهر المدنية التي بدأت تظهر في حياة الناس، ويشير إلى المعدن الذي أصبح يشكّل لبّ الحياة الجديدة، وهو الحديد. فمن كلماته الأثيرة: “الحديد دي تيرابه وين.. تب الهَلْبَة غرب”، ويقصد بذلك: أين تقاوي الحديد؟ وكأنه يشاهد مظاهر المدينة التي أصبح الحديد لاعبًا أساسيًا فيها، ويقارن الحال بما عليه قريته من تهميش. فالعربات والآليات التي تمرّ به، والسيخ الذي تذخر به المغالق، وأنواع الحديد التي يستخدمها الحدّادون في صناعة الأدوات الزراعية، فأين قرية الهَلْبَة من كل هذا؟ ثم لا يفتأ أن يصرخ في وجه الناس: “الهَلْبَة غرب.. تب الهَلْبَة غرب.. تب الهَلْبَة غرب”. أليست “تب” إشارة مبطّنة لنذارةٍ تواجه الناس إن لم ينتبهوا لأمرٍ جلل؟ بالطبع، كانت كلماته متأمّلة، وليست عباراتٍ تجري على لسان مجنون دون وعي. ومن جمال عبارته أنه منح الحديد روحًا حيّة تلتصق بالروح الحية للناس.
جاء يومًا إلى أحد مساجد المدينة، فوجد مواسيره مليئة بالماء، يفتحها رواد المسجد حين الوضوء ويقفلونها حين ينتهون، فيتسرّب منها الماء قليلًا قليلًا. فأعلن استهجانه بصرخة عالية: “تب الهَلْبَة غرب.. ألمِي مطبول بالطبل والهَلْبَة عطشانة.. تب الهَلْبَة غرب”. يا لها من نظرة مفكّرة!
كان له ابن يأتيه بين حين وآخر. ومن غرائب أمره أن ابنه، حين يجيء، ينزع الرجل عنه كل ما يمتّ إلى عالم المجانين؛ فيلبس ملابس نظيفة، ويهدأ باله، ويظل يوادد ابنه ويسأله عن القرية وحال أهلها، إلى أن يغيب الابن مرة أخرى، فيرجع الرجل إلى عالمه القديم.
لم يدرِ ذلك المعتوه النبيل “الهَلْبَة غرب” أن الحديد الذي كان يبحث عن “تيرابه” لعمارة الهَلْبَة قد استخدمه آخرون سلاحًا فتاكًا؛ فقد شهدت قرية الهَلْبَة خلال الحرب اجتياحات ومجازر، وكان الحديد أحد عوامل الدمار، وهو الذي كان يأمل أن يكون عامل حياة ونماء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.