بقلم البخيت النعيم
فضح مخططات التفتيت والتجزئة
علينا فهم خطورة مخططات التفتيت والتجزئة وربط ما يدور من تصاعد النزاعات القبلية في السودان حتى وصل النزاع داخل العاصمة الوطنية كنزاع الجموعية والهواوير في أمدرمان 2021م، حيث حضرت بمعية عضو مجلس السيادة بروفيسور صديق تاور مؤتمر مصالحة بقرية النوبة شمال أمدرمان، وأيضاً نزاعات على تخوم مدينة بحري في شرق النيل وفي الجزيرة والنيل الأبيض ودارفور وكردفان وشرق السودان.
علينا الوقوف على تداعيات انفصال الجنوب الذي ساهم في تنامي الميول الانفصالية وإقامة دولة غير مستقرة والدخول في صراع الحدود، الذي لم يحسم 80% منه حتى الآن، بل دخل الجنوب نفسه في نزاعات ح.رب أهلية خطيرة بين سلفاكير ميارديت رئيس حكومة الجنوب، الذي ينتمي لقبيلة الدينكا ونائبه د. رياك مشار الذي ينتمي لقبيلة النوير، حيث أخذت الح.رب الطابع القبلي والمناطقي، وكان ضحاياها بالآلاف، هذا إضافة للأزمة المعيشية والاقتصادية الطاحنة التي يعيشها شعبنا في السودان الشمالي والجنوبي.
هكذا صنع الغرب الإمبريالي دولة فاشلة في الجنوب وفي الشمال، أي استخدام منهج التحكم في الدولة والمجتمع وصناعة مجموعات غير تابعة للدولة تمارس الفوضوية والعنف المسلح كما هو الآن في دارفور والشرق وجنوب كردفان والجنوب، بل وفرض التوقيع على اتفاقيات مذلة كما هو في اتفاقية نيفاشا والقاهرة وأبوجا وإنجمينا وحسكنيتة وأم جرس وفي أديس أبابا وغيرها.
يقول البروفيسور ماكس مانوارينج المحاضر في مركز الدراسات الأمريكية لقادة الجيش الأمريكي في توصيفه لح.رب الجيل الرابع: إن الدولة الفاشلة ليست بحدث بل هي عملية مصنوعة، هدفنا هو التحكم عن بعد، لم نعد بالضرورة نحتاج إرسال قوات نظامية في ح.رب الجيل الرابع، أي عدم الاعتماد على الح.روب التقليدية بل اعتمادهم على سياسة الإكراه وزعزعة استقرار الدول واستخدام القدرات العقلية والذكية في الح.روب.
ما هي أسباب تصاعد النزاعات القبلية في السودان
علينا النظر بعمق لماذا تزايدت وتيرة النزاعات القبلية في السودان، خاصة في دارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان، باعتبار أن مناطق السودان الأخرى في الوسط والشمال لم تتخذ طابع العنف المسلح. هذه النزاعات خلفت آلاف الضحايا وملايين النازحين وآلاف المهاجرين خاصة منذ 2003م اندلاع الح.رب في دارفور وصاعداً.
هنالك أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وراء النزاعات القبلية والجهوية وهي ضعف الخدمات والتنمية غير المتوازنة وفشل الحكومات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وفي عدم تحقيق أي نمو اقتصادي أو تقديم بنية تحتية أساسية خاصة خدمات التعليم والصحة والمياه والطرق والكهرباء، وعدم تحقيق الأمن، بل نلاحظ تدهوراً خطيراً في مناطق النزاعات لأن أغلب هذه المجموعات تتنافس حول موارد شحيحة سواء كانت مصادر المياه أو المراعي أو الزراعة، هذا إضافة إلى ضعف الوعي الذي يشكل عاملاً مهماً، حيث ظلت تلك المجتمعات محافظة على واقعها التقليدي، إضافة إلى ضعف الإدارة الأهلية وخطورة تسييسها خاصة في العقود الماضية من حقبة الإنقاذ، حيث تدخلت الحكومة في المركز والولايات بصورة مباشرة في النزاعات القبلية، بل هنالك تشكيك في حيادية الجهات التي أشرفت على مؤتمرات الصلح خاصة نزاع الرزيقات والمعاليا والبرتي والزيادية ودينكا نقوك والمسيرية ونزاعات مناطق جبال النوبة والصبحة والشلك في النيل الأبيض وغيرها.
إن خطورة تسييس الإدارة الأهلية وعدم استقلاليتها أفقدها مشروعية القبول والكفاءة والاحترام، كما للأسف ظهرت مجموعات أصبحت تستثمر في النزاعات القبلية وهي ما يسمى بتجار الح.رب، وهم إما تجار سلاح أو للاستقطاب السياسي أو الانتخابي. هذه المجموعات تصنع الح.روب لاستمرار مصالحها. كما من أهم أسباب تصاعد القبلية هو ضعف الديمقراطية التي كانت تمارس عبر الأحزاب وهي أرقى صيغة وصلت لها البشرية، والوطنية السودانية، أي البرنامج الحزبي، ولكن للأسف عدم وجود تداول سلمي للسلطة وحريات يكفلها الدستور والقانون جعل هنالك ردة ورجوع للقبلية. حتى إن بعض الأحزاب والحركات التي ظهرت بعد 30 يونيو 1989م أغلبها جهوي. للأسف حتى نظم الحكم المحلي والفيدرالي أعادت القبلية بشكل خطير مما جعل في دارفور مثلاً عشرات المحليات ولكل قبيلة محلية، بل قُسم السودان إلى ثمانية عشر ولاية، وولايات دارفور وحدها شكلت خمس ولايات على أساس جهوي وقبلي مما جعل الانتماء للإقليم ثم الوطن ضعيفاً.
يقول بروفيسور عبده مختار موسى من خلال ورقته التي قدمها عن النزاعات القبلية في الجامعة الإسلامية أن فترات الصراع القبلي في دارفور كانت متباعدة منذ 1932م، لم يحدث نزاع إلا في عام 1956م أي بعد أربعة وعشرين عاماً، ثم حدث نزاع عام 1957 بين قبائل عربية الميدوب والزيادية والكبابيش، ثم لم يحدث نزاع إلا في عام 1964م في حقبة الستينيات، كان نزاع واحد كل عام، ولم تسجل الإحصائيات أي صراع قبلي في الأعوام 1969 و1970 و1971 و1972 و1973م.
بدأت النزاعات بعد حل الإدارة الأهلية عام 1971م، وقال البروف عبده في فترة السبعينيات والثمانينيات كانت هنالك زيادة قليلة، ولكن منذ 1989م الذي شهد أربعة نزاعات قبلية ثم توالت النزاعات في التسعينيات بوتيرة أعلى، وأن النزاعات تضاعفت في عهد الإنقاذ بسبب تسييس الإدارة الأهلية. وقال إن من جملة 85 عاماً فترة رصد الصراعات القبلية في السودان 1930م حتى 2015م نجد أن فترة نظام الإنقاذ شهدت 73 صراعاً قبلياً مقارنة بـ23 نزاعاً خلال ستين عاماً سابقة للإنقاذ.
حقيقة أن الح.روب الأهلية، التي أصبحت ظاهرة خطيرة بل مهددة لوحدة الوطن، من الواضح أن أغلب هذه الح.روب مصنوعة ولها أبعاد داخلية وخارجية، بل منفذاً للتدخلات الخارجية والتدويل (نزاع المسيرية ودينكا نقوك مثلاً)، وإنني أتساءل من أين لهذه القبائل التسليح والتنظيم والتحشيد غير المسبوق، بل كأن الدولة أصبحت دويلات للقبائل وهنالك قبائل تمتلك سلاحاً خطيراً لا يوجد في القوات النظامية.
هنالك نزاعات أصبحت عصية على الحل لأنها مصنوعة كنزاع الرزيقات والمعاليا، والبرتي والزيادية، والتعايشة والسلامات، والبني هلبة والقمر، والمسيرية ودينكا نقوك. بل وصل النزاع داخل أفخاذ القبيلة الواحدة مثل نزاع قبيلة أولاد عمران والزيود من أفخاذ المسيرية الذي استمر سنوات ولم يحل رغم عقد عدد من المؤتمرات والورش، لكن بعد سنوات توافقت القبيلتان على حل. مثل هذه الح.روب وصلت مرحلة الأزمة ولا يمكن علاجها بالأساليب والآليات التقليدية بل يفترض أن يتدخل المنهج العلمي لحل مثل هكذا نزاعات.

Leave a Reply