من منصور كُتّي إلى الإذاعة سيدي النعام آدم: شلال الطمبور الذي غمر ربوع السودان

صحيفة الهدف

عماد عبد الله

(منصور كُتّي) جملة نوبية، وتعني “قلعة منصور”، وكل اسم في الشمالية يُلحق به المقطع “كُتّي” في آخره، ويعني إشارة إلى قلعة كانت في المكان ذلك. حدود (منصور كُتّي) تبدأ من طاحونة “سيد أحمد نابري” شرقًا لغاية الشفخانه غربًا، بلد وادعة على الضفة الغربية للنيل.. غربها مدينة الدبّة بحوالي ٥٠ كيلو، وشرقها مدينة كورتي على بعد حوالي ٣٠ كيلو.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

جنّة نيلية صغيرة، وُلد في واحدة من قراها هذا الزول الفلتة (مُحُمّد آدم مُحُمّد أحمد)، والذي اشتهر بعدها بـ (النعام آدم) نسبةً إلى الحلة التي وُلد فيها “ود النعام” في قرية “الكربة” في حوالي سنة ١٩٣٠م.

اشتغل فترة في وزارة التربية والتعليم، ومنذ نعومة أظفاره وهو حريف في عزف الطمبور بشكل لافت.. ما أظن لاقاني بنو آدم بيعزف الطنبور بالبداعة دي، والصوت الطروب أبو نبرات عجيبة.. سيدي النعام أظنه كان بيحاكي قوقاي القماري.. الحنين المستّف بيهو صوتو كان بهز كل من يسمعو.. أي سوداني، حتى أخواننا من جنوب السودان فيهم كم مغني كان بيردد أغاني النعام ويجتهد يقلد طريقة تلوين صوتو القوقاي، وده خلق منه مغنّي الحلّة والحِلّال الحواليها وكل منصور كُتّي، لغاية ما ضاقت على هذا الإبداع الضخم المنطقة والشمالية كلها. كان بيفتش ويبحبت وينقّب عن الموروث الغنائي حق المنطقة بشغف ومحبّة، ويختزن كل البيقع في وجدانو.. اتستّف بنغمات المنطقة وتلاوين الألسن الفيها وتكنيكاتهم في معالجة الغنا. كان كبير بحجم السودان، فكان لازم كل السودان يسمعو، لذلك شدّ الرحال للخرطوم.

بعد شهر من وصوله الخرطوم دخل استديوهات الإذاعة، الكلام ده كان سنة 1959م، من ديك واندفق الشلال الطربي العجيب. في برنامج (ربوع السودان)، وبتقديم الإذاعي علي الحسن مالك، اقتحم صوت النعام ميكروفون الإذاعة لأول مرة بغنوة (يا نوّارة قنتّي)، اتسجّلت واتذاعت في يوم جمعة مشهودة، بعدها اتفاجأت إدارة البرامج في الإذاعة بكمية الطلبات التي انهالت على الأغنية في برنامج (ما يطلبه المستمعون)، كانت الطلبات من كل أقاليم السودان وبكمية أدهشت القائمين على أمر البرنامج، فكان لازم يطلبوا منه يديهم تاني من هذا الفيض الإندلق من أقاصي الشمال.. وقد كان.

طمح بحر سيدي النعام وزاد زفيف موج غناهو: موجة (فاوضني بلا زعل)، موجة (حلمك يا حبيبي عليَّ حِن)، موجة (دهب شيبون)، موجة (الغرام يا ناس)، موجة (الزول الوسيم) وغيرها وغيرها وغيرها.. في فترة زمنية قصيرة شديد كان فاض بحر سيدي النعام لغاية ما غطى وطغى على كل مغنيين وغنا (ربوع السودان).

سيدي النعام عجيب، كثير من غناهو هو الكاتب كلماتو وهو الملحّنو وهو المغنيهو وهو العازفو، ومافي ليهو تسجيل في الإذاعة لأي واحدة من غناهو بيشبه التسجيل التاني، الغنوة عندو كائن حي متحرّك ومتجدّد.. الليلة يغني الغنوة بطريقة وباكر بطريقة تانية خالص، وكل البدع دي كلها جوه عضم نفس اللحن، صوتو وعزفو للطنبور هو الكان بيخلق الاختلاف ده.. تجويد وتطريب ما بيتوقف ولا بيلتزم بقالب واحد.. فضل طول عمره متمرّد على القوالب والأنماط والتكرار.. شيء عجيب.

الغنوة دي مثلًا: (سمح الخصايل) من كلامو وألحانو.. سمعت النعام بيغنيها بأكثر من طريقة.. يزيد ويحذف ويضيف ويلّون ويقدّم ويؤخّر كوبليه على التاني وبيت على بيت، يزيد مساحة أنين الطنبور في مرات، ويعيد عزفو بتكنيك مختلف ما بيشبه القبالو، وفي مرات يديهو نقرشاية طنبورية خفيفة.. هبشة بس، ثم يخش بصوتو الماهل وحنين قبل ما الطنبور ياخد نفسو:

سمح الخصايل

ما تنسانا يا سمح الخصايل يا الساكن الشمال لي قلبي شايل .. البت أم رشوم بت القبايل جات تقدِل مِتِل ود الأرايل في الوادي المخضّر وديمه سايل يا الله الجمال فوق أهلو خايل .. في ذهني البليد ما كنت قايل أنا بشوفو فراقا لهجراني طايل دايمًا في الدروس تجي في الأوايل رايقة ما حامت فريق جابت قوايل .. من حديقة الموردة لى زهرة شايل أنا اتذكرت محمودة الخصايل غابة دمعو من عينيا سايل إنتي ما تنسيني يا زهر الخمايل .. يا قليب الحاجة مالك دايمًا جايل رمان صدرو خمَّ عمارو شايل ريحة فمو مايقومة الفتايل هي كان بسمت بريقًا سحبو شايل .. ما تنسانا يا سمح الخصايل يا الساكن الشمال لي قلبي شايل

أسلم الروح في السلاح الطبي بأم درمان سنة 1993م.. رحمه الله.

#السودان #النعام_آدم #طمبور #حقيبة_الفن #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #تراث_سوداني #أدب #فن #منصور_كتي #إذاعة_أم_درمان #شمال_السودان #Sudan #Music #Tambour #Culture #Heritage

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.