يوسف الغوث
صوته كان بمثابة همسٍ خفيفٍ، يتسرّب من بين روحٍ منهكةٍ وشفاهٍ مرهقةٍ، فقد كان يغنّي لسرٍّ لا يعرفه أحد، طالبًا الإذن بالرحيل.
كان مُصرًّا على أن يطرق بابًا ينفذ عبره إلى زمنٍ آخر، احتجاجًا على أن أخلاق الناس اختلفت.
وعندما غنّى رائعته: (أنا أستأذن)، ظنّها كثير من الناس أغنيةً عابرةً، تمرّ كغيرها من الأغاني، ولكن القدر كان يبتسم ساخرًا، لأنه يعلم ما لا نعرفه.
إن تلك الكلمات التي غنّاها الجزار ذات مساء، لم تكن مجرد لحنٍ جميلٍ أو مميزٍ، بل كانت بطاقة وداعٍ كتبها بقدره ووقّعها بدمه دون أن يدري.
استأذن من الدنيا وممن حوله، فاستجابت الدنيا لطلبه، وكتب له الرحيل.
فما أعجبك يا جزار وأنت تمارس تهذيبك الأنيق، طالبًا الاستئذان، وراحلًا إلى عوالم الذات العليا.
ظهر الفنان الجزار في زمنٍ كانت فيه الأصوات تتشابه من حيث الرتابة، فجاء هو بصوتٍ لا يشبه أحدًا. صوتٌ فيه من حنين النيل ما يكفي ليروي ظمأ الروح، وفيه من حنان الأمهات ما يدفئك في ليلة شتائية باردة.
سلبته الحرب العبثية كل ما يملك، فلا بيت يأويه، ولا وطن صغير يتسع لأحلامه البسيطة. وانتهى به الأمر نازحًا، حاله كحال ملايين غيره، لكنه كان مختلفًا: فقد كان يحمل في صدره صوتًا يزرع الابتسامة وينثر الفرح، في وقتٍ لم يجد غرفة تأويه.
اتجه إلى القضارف شرقًا، تلك المدينة الهادئة الجميلة، واستقر في أحد الأحياء الشعبية المتواضعة، فالتقت به حمى الضنك دون ميعادٍ مسبق، فكانت آخر عشّاقه.
لم يجد يدًا تمتد إليه، ولا طبيبًا يمسح على جبينه الحار، ولا حبّة بندول تذهب عنه أوجاع الحمى.
توفي هكذا ببساطةٍ قاسية.
توفي كما ينطفئ سراجٌ كان ينير غرفةً خاليةً لا يوجد بداخلها أحد.
دفنوه في ترابٍ بعيد، فلم يحضر جثمانه أحد من أبناء وسطه، ولم يشيّعه أحد من نجوم المجتمع وهو البدر اكتمالًا.
لم يقف على قبره سوى عددٍ قليلٍ من المارة وأبناء السبيل.
فبكاه التراب الذي ضمّه، وبكاه الصمت الذي خلّفه، ثم بكاه صوته الذي ظلّ عالقًا ما بين السماء والأرض رافضًا أن يُمحى.
أما أغنيته “طيب يا ناس.. أنا أستأذن”.. تلك الأغنية التي ظنناها للحب، فقد كانت بمثابة مرثيته الوحيدة، ونعيه الذي لم يُقرأ على منصّة ولم يُتْلَ في رفع فراش.
فقد أضحت وكأنه كتبها بنفسه ليودّع بها دنيا لم تكرمه، وجمهورًا نسيه، وزمانًا لا يجيد إلا النسيان.
فإن كان محمود الجيلي قد كتبها والجزار قد غنّاها، فإن القدر قد جعلها مرثيته التي يرثي بها نفسه.
عندما نسمع: “طيب يا ناس أنا أستأذن” سوف نتذكّر أن هناك من استأذن فلم يُمنح الإذن.
سنتذكّر أن هناك من غنّى وداعه دون أن يدري.
سنتذكر أن هناك من مات وحيدًا وكان صوته كل ما تركه.
وكلما بكت سماء القضارف، سنعرف أن الجزار لا يزال هناك تحت التراب يهمس:
“ما دام الدنيا بقت ناسها كفات ميزان ما بتوازن..
طيب يا ناس أنا أستأذن”.
رحمك الله يا محمد فيصل، رحمةً تذهب عنك وحشة القبر وجفوة الوسط وألم النزوح، وجعل ما قدّمته للناس نورًا على قبرك وشفيعًا لك يوم الموقف العظيم.

Leave a Reply