لا زلت معتقلًا ومقهورًا كالفلسطيني تمامًا
لستُ بذئيّاً كمظفر النواب.. وما أكتبه “مقاومة للباطل القبيح”
سأظل مقهوراً ما دام شعبي مكبّلاً وأهلي يقتلهم البعوض والحروب
السلطات ترى نقدنا “جريمة”.. ونحن نراه دعوة للحق والجمال
أبكي وأكتب.. وأبكي حتى ينتهي النص!
صهيل خيول “بعانخي” يحوم حول أهلي حتى اليوم.
خرجتُ من السودان لأظل على قيد الحياة حتى أستمر في الغناء
مصطفى سيد أحمد فتح أمامي طريقاً متعباً نحو الناس والوطن
“عاطف خيري” يقف على أرضية ثابتة وفتح أبواباً لمن سبقوه.
أكتب لنفسي أولاً.. ومتى كبّلتني العامية تركت الشعر إلى “الذعر”
نحن الأعرق تاريخاً.. لكنهم ينسبون أمجادنا لغيرنا!
حوار: خالد عويس
محمد الحسن سالم حمِّيد، شاعر سوداني يرفض أن يغلق عينيه على حلم ميت، يغتسل في بيوت طينية منهكة لكنها مشرعة النوافذ، ويستمد عافية قصيدته من مقاربات عامية تلاقح الفصحى، في إنجاز يؤرخ لإمكانات الشعر السوداني في فسح مجال جديد للذاكرة الجمالية والثورية، ويشكل رمزًا من رموز الحداثة في الشعر السوداني، ويحفز خيوله على المجئ في أكثر الليالي حلكة، يضيء سراج الشعر ويوقد جمراته في الذهن لفض بكارة الفعل السالب.
- الحضور الطاغي للإنسان البسيط المهمش في قصيدتك، هل مرده لشعور دفين بالإقصاء عندك أم تضامن مع آلام المسحوقين؟
– بلدة نوري في شمال السودان قامت عليها في الماضي أقدم الحضارات ولا زالت أهراماتها تشهد على ذلك، وهي أرض الإله حسب التعبير النوبي القديم، ولا شك أن صهيل خيول بعانخي وصليل سيوف ترهقوا تحوم حول أهليها حتى هذا اليوم. من هنالك انطلقت كل الحضارات التاريخية حسب اعتقادي، فنحن الأعرق لكنهم ينسبون كل مجد لغيرنا! إذن أنا أحاول أن أرد إلى وطني ما سرقه العالم منه، وإلى أهلي ما سلبتهم إياه كل الحكومات غير الوطنية، فلا يعقل ألا يكون في الشمال مشروع تنموي واحد يوطد بقاء ذلك الإنسان على أرضه لينتج حضاراته من جديد. وما نحن فيه في الشمال ينطبق على الكثير من بقاع السودان، فقط نحن نغني ويحمل غيرنا السلاح.. إذن كيف تجدني؟ مسحوقًا بحق وحقيقة أم متضامنًا - أحدثت ثورة شعرية اجتاحت الوجدان الوطني والعاطفي في توحيد جميل للأنثى الحبيبة/ الوطن، هل اكتملت بناءات مشروعك الشعري؟
– لست أنا الذي أحدثت تلك الثورة، فهذا أمر قديم، وإنما تجدني أحد المساهمين فيها بدرجة أو بأخرى، وبناء القصيدة عندي لازال في طريق الأفق، ومشروعي الشعري هو مشروع مشترك مع العديد من المبدعين، ينتظره الكثير.. والله يكذب الشينة. - علاقتك بالفنان السوداني الراحل مصطفى سيد أحمد، كيف تصفها؟
– مصطفى سيد أحمد، عليه رحمة الله، فوق أنه صديق حميم، فهو فنان صاحب منهج ورؤية إنسانية متفردة، وعلاقتي به ستظل مستمرة، فقد فتح قدامي طريقًا متعبًا نحو الناس والوطن. - الأنثى عندك (نورا) اتخذت معنى وطنيًا غالبًا، هل كانت حلم الوطن وغده المرتقب؟
– كما ذكرت في البدء، أنا من بقعة تاريخية متجددة اسمها نوري تتبع لمدينة تاريخية اسمها مروي، وهي في شمال السودان، وكلمة “نور” في اللغة النوبية تعني إله، ومنها جاءت كلمة “نورا”، فأي أنثى تريد؟ - هل تجد تشابهًا بين تجربتك وتجربة مظفر النواب الحادة، خاصة في قصائدك التي تضمنت نقدًا سياسيًا مباشرًا؟
– الأمر هنا متروك للمتلقي، لكن لا بأس أن أقول لك إنني لست بذئيًا كما قالها مظفر النواب، فقط ما تسميه نقدًا سياسيًا تراه السلطات الأمنية خيانة للوطن وجريمة تستحق السجن والتعذيب وحتى محاولات التصفية الجسدية، لكني أراه مقاومة للباطل القبيح ودعوة للحق والجمال. - اغتيال خوجلي عثمان، اتهام الطيب صالح بالسفه، وفاة مصطفى منفيا، كيف تصف حال الإبداع في العهد الإنقاذي؟
– بالله عليك لا تزاوج بنظام الإنقاذ في كل شيء.. متى كان حال المبدع في بلادنا على ما يرام؟ كل الأنظمة السياسية التي تعاقبت على بلادنا لم تحترم مبدعًا واحدًا ولم تقدم شيئًا يذكر لخدمة الإبداع والمبدعين السودانيين. معظم ساستنا لا يفهمون عن الإبداع سوى أنه “شغل عبيد”. إذا كان نظام الإنقاذ هذا حاله مواجهة للإبداع حفاظًا على سلطته من الزوال، فما بال الذين يطرحون أنفسهم بديلًا له؟ عمومًا لي تجربة مريرة مع النظام القادم، لا داعي لإثارها هنا. - بناء على تصنيفات فكرية غير مبررة حيال الإبداع، نعتك البعض بالانتماء لليسار السوداني، ونحوته أنت إلى تفريغ الاتهام من محتواه، كيف تصف موقفك الفكري؟
-المبدع في نظري كالطائر الجميل الوديع المغرد في فضاء حر، وهو لا يستطيع أن ينتمي إلا لكل ما هو خير وجميل، لكن البعض يشتهي فيه لحمه بدلًا عن نغمه.
حكاية يسار ويمين ووسط هي حكاية من حكايات الداعين إلى نزع المبدع من قضيته الأساسية، وأضفاء تصنيفات سياسية عليه من شأنها صرفه عن المتلقي. المبدع شأنه شأن كل الناس، له حق ممارسة الديمقراطية، ولكن ليس من حقه أن يخون إبداعه لخاطر أي سياسي. - وجع المعتقلات وآلام القهر، هل أضافت جماليات إنسانية؟
– المعتقلات وآلام القهر تأخذ أشكالًا متعددة. لا زلت معتقلًا ومقهورًا كالفلسطيني تمامًا، وسأظل كذلك ما دامت أرضي محتلة وشعبي مكبّل، وأهلي يقتلون بالبعوض والذباب وحمى الحروب. وليس أمامي سوى الغناء الأخضر لغد كوني مشرق رغم زمهرير وضباب الفجيعة. - ما هي طقوس ولادة القصائد عند حمِّيد؟
– منذ مسخني العشق لكتابة القصيدة وحتى اليوم، ما أن أدخل “حوش” القصيدة حتى أجد نفسي أبكي وأكتب وأبكي إلى أن ينتهي النص، ثم أرفع وجهي وأكاد أصيح: “الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني”، ولا أزال حائرًا في سبب هذا البكاء الملازم للكتابة. ربما لفقدي عدد من الأهل والأصدقاء والوطنيين. المهم أنني أبكي وأكتب، والحمد لله. - إلى أي مدى تؤمن بقيم الإنسانية التي سكبتها في شعرك في ظل عالم تكنولوجي ينحدر أخلاقه؟
– إلى يوم يبعثون.. وما علاقة التكنولوجيا بانحدار الأخلاق؟ التكنولوجيا لا تفعل ذلك، بل الأنظمة الفاسدة ومن دار في فلكها من القتلة. ليتنا نمتلك التكنولوجيا لتحرير الإنسان لوطنه ونفسه، وهي السبيل للنماء والرخاء. المهم أنها تصل غنائي وتربطني بناسي رغم كل الجدر. - الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005م، أهي مؤهلة؟
– الله يحينا ونشوف.. أما حاليًا ف لا. - جدل الزنوجة والعروبة والسودانوية، كيف تنظر إليه؟
– في زول بس. - لماذا يظل الصوت السوداني الدافئ غائبًا عن المشهد الثقافي العربي؟
– المشكلة أن المشهد الثقافي العربي بمعناه الصحيح هو أيضًا في حالة غياب. ما أن ترى مشهدًا ثقافيًا عربيًا إلا وخلفه استقطاب سياسي، وهذا أمر محزن. العرب يقيمون فضائياتهم، ويصدرون صحفهم، ويقيمون حفلاتهم ولياليهم الشعرية الناجحة، ويدلون بتصريحاتهم الدسمة، دائمًا خارج الأراضي العربية. وهذا أحد أسباب غياب الصوت السوداني عن المشهد الغائب، وهناك أسباب أخرى أهمها أن المبدع السوداني نفسه يساهم في هذا الخفوت. - هل استفدت من تجارب سودانية سابقة؟
– نعم، التجارب السودانية ناضجة تمامًا في مجالات العامية المتنوعة والدوبيت والفصحى. - الغربة مكّنت بعض مبدعي السودان من تعميق مفاهيمهم الحياتية، لكن بالنسبة لك يراها البعض عاملًا سلبيًا؟
– السبب الرئيسي لخروجي من السودان هو أن أظل على قيد الحياة حتى أغني. كنت أظن أن الخارج سيمكن قصيدتي من الدخول إلى الوطن والوصول للناس، ولكن للأسف لم أجد إلا قصيدتي، وأنا فخور بمؤازرتي لنفسي مع بعض الأصدقاء. - المناخات العربية الآن تشهد موجة من التهجم على الإبداع، كيف يتعايش المبدع مع ذلك؟
– تجدني بعيدا عن هذه المناخات، وانشغالي هو توثيق وتسويق تجربتي الشعرية ورصد ريعها لمشروع خيري في البلد. - البعض يصف تجربة عاطف خيري بالغموض والنزعة الفلسفية، كيف تراها؟
– تربطني بعاطف خيري أربطة شتى، ونحن من منطقة جغرافية واحدة، وبحكم متابعتي لتجربته الشعرية أستطيع القول إنه يقف على أرضية ثابتة من الشعر، وقد فتح أبوابًا أمام من سبقوه. لا تستعجلوا على تجربته، ودعوه يفسح خيال قصائده كما شاء، وأنا أراهن عليها. - لمن تكتب؟
– أكتب لنفسي أولًا، ومنها يأتي الناس، ثم متى أحسست أن العامية تكبلني تركت الشعر إلى الذعر. - الحلم الإنساني بالسلام والحرية والعدل، هل يكون حبيس مخيّلات الشعراء أم يسعى لترسيخه؟
– كل الرسالات السماوية جاءت لتأكيد هذه المفاهيم النبيلة، والرسول (ص) اتهمه قومه بالشعر، وكل الصالحين نادوا بها ومات من أجلها الكثيرون. كل الثورات والانقلابات العسكرية الظالمة تأتي على سرج هذه المفاهيم، لأنها متأصلة في النفس الإنسانية. كيف السبيل إليها؟ هذه ليست مسؤولية الشاعر فقط، بل لكل الشعراء الذين يفتحون قلوبهم للحياة الكريمة. نحن لا نستعجل إلا ما نرجو من الزمن.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #خالد_عويس #جريدة_الزمان #حوار_حميد #نوري #الحضارة_النوبية #مصطفى_سيد_أحمد #نورا_الإله #مقاومة_الباطل #الغناء_الأخضر #طقوس_البكاء #شعر_العامية #السودان #عاطف_خيري #حق_الديمقراطية #معتقل_ومقهور #أدب_المعتقلات #الذاكرة_الثورية

Leave a Reply