فسِواكَ.. مرثية لمحمد الحسن سالم (حميِّد).. وهو حي

صحيفة الهدف

هيثم الشفيع

خطر لي ذات مرة، وبعد قراءتي لمقال للأستاذ شوقي بدري قال فيه: “إننا، معشر السودانيين، (شكّارين تُرَب).. أي أننا لا نتحدث بمآثر الواحد منا إلا بعد أن يموت”، واستدل بتوكيد ذلك عبر المثل القائل: (إن شاء الله يوم شكرك ما يجي)”.
ففكرت.. أني أحب الشاعر (حميِّد) وأشعاره حبًّا يفوق الوصف، لكنني لم أخبره بذلك. فلماذا لا أصرح بهذه المحبة بشكل مبتكر؟ وهو كتابة مرثية له وهو حي.
فأكون بذلك قد أعلنت عن محبتي له، وعددت محاسنه، وبنفس الوقت لم أخالف عادات أهلي بالحديث عن هذه المحاسن في المراثي فقط.
المهم.. كتبت هذا العمل في العام 2001م، وأوصلته للراحل العظيم في 2004م. فكان سببًا لتواصل بيننا استمر حتى رحيله الفاجع. شرفني خلال تلك الفترة بأن طلب مني تكملة عمل كان قد بدأه ولم يستطع إكماله.
فكتبت في 2007م قصيدة مشتركة أسميتها: (بيني .. وبين حميِّد والمطرة)
والآن، في الذكرى السنوية لرحيله، أهديكم هذه المرثية.
النص:
كئيبًا.. كان ضوء الشمس مبحوحًا.. ومجروحًا.. ومختلطًا ببعض الأسف.
ظلامًا.. كانت الأحلام ترفل في ثياب البؤس والأحزان،
تنبش ذكريات البسمة المؤودة الأغلى.. تحس غيومها الهطّالة الأعين..
دموع ترف..
ضياء عتامها الإحباط..
ما فتئت سنّي العمر – دنيانا – ممزقة خطاها التيه..
تسائل من تراه بدربها المشئوم إلحافًا..
تمد الكف..
وجيت يا سيدي رغم المُرّة والأتراح..
ومن بين ديل..
شرقتَ من الجفير مارقًا.. تكورِك لما حِسّك راح:
“كفانا قرف”
هيا غافل.. ها ياااااعميان:
منو العبّا الحُزن جوّاك؟
مسح من قلبك الفرحة.
منو الكحّل رموش عينيك؟
مطر صبحك مساك سحّ..
لئلا سُدت الآمال في وجهك فلا تدري..
زمانك جاد أم شحّ؟
أفِقْ.. إن العيون تراك، إذا نامت، كما الأحلام.
وثِقْ.. أن الظنون ثراك.. وطعم الشوك للأقدام.
فيا وجع الذين أتوك.. من ماضٍ
إلى حاضر
إلى ماضٍ.. يؤطر فيك كل فواجع الأيام.
ظلال الروح لن تفنى،
وروح الروح لن تبلى،
وفجر الغد..
سيبقى أبيضًا كالقلب،
يبقى مشرقًا كالحب،
يبقى أخضر.. كسلام.
فيا مولاي.. لا تقنط..
إذا خذلوك..
تقطّر صوتهم في عمق أعماقك،
تسرّب قطرةً.. قطرة.
أو.. في زمان التار
أوفى الوعد مرة،
لو لعيونك زار،
طيف الغمام سر..
ما تنسى طعم الخوف،
طعم الحياة المُرّة،
وكيفن حمامة الغار
طارت بدون أخبار،
والعنكبوت فرّ..
شقّيش تقبّل همّ،
زمن الشقا انشرّ.
ولا تيأس..
إذا باعوك..
تراجع صوتهم في غيهب الأيام مخنوقًا،
وغصّ الحلق بالحسرات.
أو.. في زمن غدار
أوفى الوعد مرات،
لو لعيونك زار،
طيف السعادة مات،
ما تنسى دم الجوف،
دم الحياة موات،
وكيفن حمامة الغار
هجرت غنا الأطيار،
والعنكبوت وين فات،
شقّيش تقبّل همّ،
زمنك نسى الضحكات.
إذاً.. فليسمع العالم:
أو.. في زمن ملعون،
أولى البشيل همك،
لو قالو ليك مجنون،
صدّق ولا يهمك،
ما تنسى كيف الدون
عَبَرَوُلا فوق دمّك،
وكيفن حمامة الغار
همّا وراهو ودار،
والعنكبوت غمّك،
شقّيش تقبّل حق.. ينسج خيوط نمّك.
وأتيت يا سيدي رسولًا للقصائد،
كي تعلّمنا معاني الشعر..
كيف يبوح.. كيف يروح.. كيف يصول.. كيف يجول..
كيف يُقشعر الأبدان، يسكنها دبيبًا.. رعشة.. رعشة.
وضعت على الجراح يديك،
غسلت بماء كلماتك
عذاب سنيننا العجفاء.. والوحشة،
وعلّمت القصيد النطق..
منك تعلّمنا الدهشة.
وبحت لنا:
أنّ الشعر سيدنا،
وأنّ الشعر كالأحزان.. إن عشناه أدمننا،
وإن قلنا عليه يفوت..
تمطّى في الدواخل سهل.. يزيد.. يزيد.. لا يخشى.
وأن الشعر..
أن الشعر..
أن الشعر..
أن الشعر، لما خاف منها قصمة للظهر إن وضعوا عذاباتك..
عليه.. قشة.. قشة.
لذا.. قررت أن أنعيكَ فاسمعني..
ورائي ألف مرثية:
شجر (نوري).. دموع نورا،
عليك مليون قميرية..
تنوح وتنوح ولا تبتسكت،
كما قلمك.. كما ألمك.
إذا ظلمك..
زمن أرواحو مبيوعة،
زمن أقلامو مشرية،
زمن أبخس من الذمة،
التبدّل في غنيواتك:
(“حبيبة قلب سودانية”)
لدى الدايرنو أسيادا..
وبراهنو عليو..
“سواد نية”….
وإذا مت.. سنسمع اسمك الرنان
ضمن قوائم الموتى.. تمام الثامنة العادي.
نغلق دونه المذياع،
ولن نسمع سوى ذلك،
لأنك عندهم.. لا شيء.
وبينك وبين آذان علاها الوقر،
مسافة ألف جيل وجيل،
مسافة ألف ميل وميل.. ومدّ ذراع.
لذا، أنعاك يا مولاي..
هذا الآن،
وفي صحوي.. وحين أنام:
فمِت إن شئت،
عِش إن شئت،
لكن شعرك.. السودان،
أعني.. وطنك السودان،
سيبقى في السماء نجومًا،
وفي صدر الجميع النبض،
يبقى أبيضًا كالقلب،
يبقى مشرقًا كالحب،
وفي الظلمات.. ألف شعاع.
في الظلمات.. ألف شعاع.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #هيثم_الشفيع #مرثية_وهو_حي #فسواك #نور_الشمس_المبحوح #حمامة_الغار #شجر_نوري #دموع_نورا #أدب_المحبة #شعر_العامية #السودان #قصيدة_مشتركة #وطن_النبض #الدهشة_الأولى #كفانا_قرف #سواد_النية #ألف_شعاع #حميد_الخالد

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.