محمد عزوز
في صِدفةٍ محضة..
جاء، لم يُولد كالجرائم والقطع البشرية،
وأكذوبة الصمت الذي يتمدّد في ألسنة الشعوب،
بل بُعِث.. من التقاء الضوء بالضوء.
هكذا، تفتّتت عدّة أناشيد للصغار،
تجمع كونًا من الحب.
شبَّ بين صوت العصافير،
عابثًا بلهجة الفجر، خلف نخلةٍ تمرّن ساقها على ركل التمر،
رتّل لله، ثم رتّل بعد ذلك
كل كلام الطمي..
مؤدّب الحزن، مشى كأنبياء الحنين،
طارقًا نوافذ اللواتي امتهنّ الأنوثة في مدرسة العناق،
كالمساء المراهق،
يرتعن في النظرات الشابة للغروب اللعوب،
يضحكن كالحظ السعيد،
يرقصن كالقلب الوحيد الذي تعثّر بامرأةٍ من ليل،
يعشقن الوطن كالحروب الغبية.
قال.. بعض النساء نساء، وبعضهن أكثر من ذلك.
لم يقل بصريح العبارة،
بعض النساء يتفتّتن لأكثر من عناقٍ وبلاد.
هكذا ارتكب صغره..
اشتهى امرأة، صدّه شارب الفقيه،
اشتهى كوب خمر، عاتبته البيوت التي لم تجد أي بابٍ للخيال،
اشتهى أن يقف،
كل أرجل بها حذاء عسكري
جاهرته الركوع،
لم يُطع الجنود والحذاء،
واستوى في الجنازة التي شيّعت أرضه
وقوفًا وسيمًا.
كان يُدعى حميِّد،
ثم ظلّ حميِّد.
كان في ذات أنثى قد ترصّدت نجمةً فاتنة،
ارتقى في الخيال
حتى استحال ضوءًا.
زار حواء في طينها، قبل فخّ الخطيئة،
حين كانت تُراهق ككل البنات الصغيرات،
تنسج فساتينها من خزف،
تفتح النافذة
لأول آدم، لا يرى في النساء
محض أقصوصةٍ لشراب المقاهي وسرد الشعر.
زار حميِّد حواء،
في المخاض، استغفر الله،
وقف على بُعد صرخةٍ لهابيل،
اندهش: كيف تلفظ حوّاء حياة؟
اندهش، كاد يؤمن بها..
أيُّ إلهٍ يصرخ هكذا؟
كنتِ قرب الألوهة، ولكن..
قال: استغفر الرب،
وحّد الله في حينها،
سبحان الله،
وسبحان ضوء البداية،
وسبحان سرّ السلام الذي من لحمٍ ودم.
مشى دون أرجل،
فقد اختلى في ذات شكٍّ بأسرار بوذا،
صعد إلى أعلى ما في الفراغ من فراغ،
عاد ممتلئًا بالمدى.
قيّدوه رومان البلاد، قالوا له:
(لله فقط.. لا يسوع)،
قال: (لله أيضًا،
ولكن للشعراء كوبًا من المعجزات.. ركلوه..
قال في سرّه: لستُ حتى نبيًا،
لماذا يجرّونني كي أبشّر بسقوط مملكة الثورة والحب؟
لماذا يصلّون خلف مؤخرة المقعد، لا اتجاه الله؟
لماذا يؤدون البنات، ثم يرتّلون لله كلامًا جميلًا يخص النساء؟
ولماذا يمضغون اسم الله كثيرًا،
ولا يزال فمهم يبوح برائحة الموت والداعرات؟
بكى للحقيقة في جنازتها السيئة،
بكى للمنسيين خلف محفظة البنك، يلوكون برد الشتاء،
ويثقون في الموت والله
واحتمال الوطن.
خرج من حزنه
نحو كل البيوت..
قال: (يا طين أرضي، خذي من دمي)،
أخذت من دمه..
خاطت به ثقب غيمة، ومضت نحو بيت القمح، تبشّره بالزواج الخصب.
هكذا كان كل الشجر
حين كنا عصافير،
هكذا كانت كل النجوم
حين ولجنا لأحزاننا الليلية،
دون الحبيبات،
ودون الحنين الرطب.
هكذا كانت كل الطرق،
كنا كل المسافات، وكل الأيادي التي لامست كل الأيادي،
وأنصتت لما يفشيه هرج الضلوع
لأذن العناق.
هكذا كان جيشًا من الانتصارات،
حين كنا شظايا ثروة، وبعض الكفاح الكسيح.
يسقط كل الطغاة..
كان في بادئ الحلم مثل حكاية بلا سارد، تختبئ في الظلال،
جرّها مرغمة كالحقيقة إلى وعينا
تعرّت. هنا استردّ الحنين الضوء
من ثقوب السجون،
من ركام الأحذية فوق الرؤوس،
من قطيع الفواتير في بيت عامل،
من ذبذبات الخجل في البنات اللواتي تعود أيديهن بلا كتفٍ إلى أجسادهن كل ليلة،
من خمور البيوت التي دون سقف،
من حافلات تقل أسماءنا ناقصة نحو بيت الرئيس،
من صافرات الجنود المكلّفين بدفن صوت الكمنجة تحت الجماجم.
استردّ الحنين أصواتنا..
قال حميِّد: (قوموا إلى أرضكم).
طقطقت نسمة أطرافها في حقلٍ كسول،
ارتدى المركب ثوبه،
اشتهى طائرٌ في غصن أنثى عابرة.
قاموا أمواتًا من جلساتٍ تخص حكاوي أحياء بالغوا في ادّعاء الصمت:
(قوموا إلى أرضكم).
لم يُؤذَّن باسم البلاد والعباد،
صلّى قبل مواقيت كسر القيود ببضع مخبرين.
مثل وعكةٍ أصابت فراش الوزير، فنام الوزير يرتجف دون أن يطأ أي قلبٍ سعيد،
مثل شظيةٍ وقف في حنجرة البنك، فلم يبتلع البنك يومها أي بيتٍ أو طفل،
مثل ريح النهاية، اقتلع خيمة السلطان، عاريًا انكشف، ممتلئًا بالجواري، جلده ذو نقوشٍ وثنية، خصيتاه تتدليان كثديي كلبة، ينجب من رأسه كل فجرٍ جائع..
أو قتل.
هكذا، مثل فارس،
بارز الجند والموت والأسئلة،
اشتهى كل ما اكتشف من حنينٍ ونساء،
وارتشف ما وجد من تراب الوطن.
ذات وجعٍ مجيد،
جرّب أن يُرى،
انتبهنا له يومًا بلا أي يوم،
انتبه كل شيء حولنا.
قال: (كل عاملٍ هو أغنية، عُقبت بالسكات).
ضحكوا، ثم بكوا رائحة الموت والخبز والحبيبة الغياب.
قال: (لم يخلق الله ربًّا ليركعنا بعده،
قفوا ضد من يخلق الموت فينا).
بكينا في نزفنا،
ضحكنا في نفسنا،
جرّب الموت مثل الجميع،
لكنه، عكس الجميع،
باءت كل محاولاته بالفشل..
هكذا.. لم يمت،
بل استوى لغيمة،
تبشّر في زيجات العصافير
بالربيع الجديد.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #محمد_عزوز #ظل_الضوء #أنبياء_الحنين #طمي_النيل #أدب_المقاومة #يسقط_كل_الطغاة #شعر_العامية #السودان #نبوءة_الربيع #ضد_الموت #بيت_القمح #أيقونة_الثورة #الحنين_المسترد #السهل_الممتنع #الكلمة_الرصاصة #وجدان_الغلابة #عصافير_حميد

Leave a Reply