بلجيكا تعترف بالتورط في مقتل لومومبا وتحاكم قاتليه بعد 65 عاماً

صحيفة الهدف

#الهدف_تقارير

أمرت محكمة الأسبوع الماضي، في بروكسل بإحالة دبلوماسي بلجيكي سابق رفيع المستوى إلى المحاكمة بتهمة التورط في اغتيال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، في خطوة قضائية تُعد من أبرز المحاولات المتأخرة لكشف الملابسات التي أحاطت بمقتله، والتي ظلت لعقود محل جدل تاريخي وسياسي واسع، سواء داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية أو في بلجيكا.

يأتي هذا القرار بعد سنوات من الضغوط السياسية والحقوقية التي طالبت بفتح تحقيقات قضائية شاملة حول دور السلطات البلجيكية الاستعمارية في الأحداث التي أعقبت استقلال الكونغو عام 1960، حيث تولى لومومبا رئاسة أول حكومة وطنية عقب إنهاء الحكم الاستعماري البلجيكي. غير أن فترة حكمه لم تدم طويلاً، إذ أُطيح به بعد ست اشهر في سياق أزمة سياسية وأمنية معقدة تداخلت فيها صراعات داخلية مع تدخلات خارجية، قبل أن يتم اعتقاله وتسليمه إلى قوى انفصالية في إقليم كاتانغا.

وسبق تلك الخطوة اعتذار من وزارة الخارجية عام 2005، وقال وزير الخارجية البلجيكي لويس ميشيل في ذلك الوقت أمام البرلمان ” إن حكومته تشعر بأنه لزاما عليها أن تقدم لعائلة باتريس لومومبا وللشعب الكونغولي بالغ اعتذارها عن الألم الذي لحق بهم”.

وقائع تاريخة:

تشير الوقائع التاريخية إلى أن لومومبا قتل في 16 يناير 1961 على يد عناصر مرتبطة بالحركة الانفصالية في كاتانغا، التي كانت تحظى بدعم بلجيكي مباشر، في ظل سياق أوسع من التنافس الدولي خلال حقبة الحرب الباردة. وقد اعتُبر اغتياله آنذاك جزءاً من صراع جيوسياسي على النفوذ في أفريقيا، خاصة في ظل توجهاته السياسية التي أثارت قلق القوى الغربية.

تسعى الإجراءات القضائية الجارية في بروكسل إلى تحديد المسؤوليات الفردية، بما في ذلك دور المسؤولين البلجيكيين في تسهيل أو دعم العملية التي أدت إلى مقتله، وذلك رغم مرور أكثر من ستة عقود على الحادثة. ويُنظر إلى هذه المحاكمة باعتبارها اختباراً لقدرة النظام القضائي البلجيكي على التعامل مع الإرث الاستعماري، في وقت تتصاعد فيه الدعوات داخل أوروبا لإعادة تقييم هذا الإرث ومساءلة المتورطين في انتهاكات تاريخية.

أمرت محكمة في بروكسل بمحاكمة دبلوماسي بلجيكي سابق يبلغ من العمر 93 عاما على خلفية اغتيال أول رئيس وزراء في الكونغو المستقلة، باتريس لومومبا عام 1961، الذي يُعدّ أيقونة للنضال ضد الاستعمار.

وتعد هذه أول محاكمة مرتبطة مباشرة بمقتل لومومبا بعد أكثر من ستة عقود من الحادثة التي هزت القارة الأفريقية.

ويواجه المتهم إتيان دافينيون، الذي كان حينها دبلوماسيا شابا ثم أصبح لاحقا مفوضا أوروبيا، اتهامات بارتكاب جرائم حرب تشمل المشاركة في احتجاز لومومبا ونقله بشكل غير قانوني، وحرمانه من محاكمة عادلة، إضافة إلى إخضاعه لـ”معاملة مهينة ومذلة”. كما يتهم بالتورط في قتل رفيقي لومومبا السياسيين موريس مبولو وجوزيف أوكيتو.

وقد وُجهت اتهامات التواطؤ في هذه الجريمة إلى 10 أشخاص، لكن دافينيون هو الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة منهم.

حلم لم يكتمل:

يذكر أنه في غوما، جمهورية الكونغو الديمقراطية، قبل ظهر الخميس في يونيو 1960، صعد باتريس لومومبا، البالغ من العمر 34 عاما، إلى المنصة في قصر الأمة في ليوبولدفيل (التي تسمى اليوم كينشاسا) وهو يحمل حلما لتوحيد بلاده التي نالت استقلالها حديثا.

أمام كبار الشخصيات والسياسيين، بمن فيهم الملك بودوان ملك بلجيكا، التي كانت جمهورية الكونغو آنذاك قد نالت استقلالها منها للتو، ألقى أول رئيس وزراء على الإطلاق خطابا مثيرا ومفاجئا إلى حد ما، أثار استياء الأوروبيين.

قال لومومبا “لن يستطيع أي كونغولي جدير بالاسم أن ينسى أبدا أنه بفضل النضال تم تحقيق استقلالنا”.

وأضاف قائلا، “لقد فُرضت علينا العبودية بالقوة. نحن نتذكر الضربات التي كنا نضطر لتحملها صباحا ومساء لأننا كنا زنوجا”.

ولكن لم يتحقق هذا الوعد، فبعد 6 أشهر فقط قُتل القائد الشاب.

لسنوات طويلة، أحاط الغموض بتفاصيل مقتله، ولكن من المعروف الآن أن رجالا كونغوليين مسلحين قتلوا لومومبا يوم 17 يناير 1961، بمساعدة البلجيكيين وبموافقة ضمنية من الولايات المتحدة.

وبعد مرور 64 عاما، لا يزال لومومبا رمزا للمقاومة الأفريقية، بينما لا يزال عديد من الكونغوليين يحملون عبء إرثه غير المكتمل، سواء أكانوا يؤيدون أفكاره أم لا.

تورط أمريكي:

بعد أيام قليلة من إلقاء لومومبا خطابه في يوم الاستقلال في 30 يونيو 1960، بدأ البلد في الانهيار. ووقع تمرد مسلح، ثم انفصلت مقاطعة كاتانغا الغنية بالمعادن.

وأرسلت بلجيكا قوات إلى كاتانغا، ثم طلبت الكونغو المساعدة من الأمم المتحدة، وعلى الرغم من إرسالها قوات حفظ السلام، فإنها لم تنشرها في كاتانغا. لذلك، لجأ لومومبا إلى الاتحاد السوفياتي للمساعدة، وهو ما أثار قلق بلجيكا والولايات المتحدة.

وفي سبتمبر، قام الرئيس جوزيف كاسافوبو بعزل لومومبا من الحكومة، وهو ما تجاهله لومومبا. وبعد فترة قصيرة، قام انقلاب عسكري بقيادة العقيد الكونغولي جوزيف موبوتو (الذي عُرف لاحقا باسم الدكتاتور موبوتو سيسي سيكو) بإزاحته تماما من السلطة. ووُضع لومومبا رهن الإقامة الجبرية، التي هرب منها، لكنه تم القبض عليه لاحقا من قبل قوات موبوتو.

ويوم 17 يناير 1961، تم نقل لومومبا واثنين من مساعديه، جوزيف أوكيتو وموريس مبولو، إلى كاتانغا بالطائرة، حيث قام الجنود بضربهم وتعذيبهم في أثناء الرحلة وفي وجهتهم.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أُعدم الثلاثة في كاتانغا رميا بالرصاص تحت إشراف بلجيكي.

وفي البداية تم دفن أجسادهم في قبور ضحلة، ولكن لاحقا تم استخراجها وتهشيمها إلى قطع، ثم أذيبت البقايا في الحمض.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.