قلم:
يوسف الغوث
كان المشهد في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، لا تخطئه العين ..
على بعد كيلو مترات توجد آبار بدر، وعلى البعد يوجد جيشان، بينهما وادٍ رملي، تحوم حوله رياح الإيمان والخوف، والوعيد..
جيش صغير لا يتجاوز ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، يضم بين صفوفه مجموعة من الأنصار والمهاجرين،
ينام بعضهم على رحالهم أو فوق سروجهم، أو على الرمال، يحاول البعض الآخر إغماض عينيه في محاولة لالتقاط أنفاس القوة، استعدادًا للفجر،
يرفع الجميع أكفهم إلى السماء في ابتهالات خافتة،
كان رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه يطوف بينهم، مبشرًا لهم بوعد الله، وراسمًا لهم مستقبل دينهم الجديد،
فالعتاد كان شحيحًا، سبعون بعيرًا، وفرسان، يتناوب على ركوبها الرجال، أما الزاد فقد كانت تفوح منه رائحة الشعير المخلوط بالتمر،
لم يكن في العيون خوف، بل كان هنالك بريق استغراب، مفاده، كيف لهذا الجيش الصغير أن يلاقي جحافل قريش ثم ينتصر عليها.
في الطرف الآخر، وعلى الضفة المقابلة، فقد كانت الأجواء صاخبة بكل ما تحمله الكلمة، جيش يزحف وكأنه في يوم عيد، ألف مق.اتل، معهم مائة فرس ومغنيات يضربن الدفوف،
الروائح تفوح بقوة من انية الخمر التي يتناوبون عليها، الأصوات تختلط بصهيل الخيل، وصليل السيوف،
يتباهى الجميع بكثرة عددهم وشدة عدتهم، يرون أن هذه الحملة مجرد نزهة عسكرية لإعادة هيبتهم التي مسها محمد، “صلى الله عليه وسلم” وأصحابه بعد محاولة اعتراضهم لقافلتهم..
اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في لحظة مصيربة، ثم قال:أشيروا عليّ أيها الناس، رغم أنه أغنى الناس عن المشورة، ولكن إصرار القائد على المشورة، يؤسس لمبدأ حوكمة رشيد، فالقيادة الناجحة تبني قرارتها على رأي جماعي، لذلك لم يكن غريبًِا أن يستمع النبي صلى الله عليه وسلم لرأي، الخباب بن المنذر، في تغيير موقع الجيش، ثم يقول له النبي لقد أشرت بالرأي ….
يقول الأستاذ /ميشيل عفلق، في هذا الصدد، إن انتصار المسلمين في بدر لم يكن معجزة، دينية، بل كان تجسيدًا لقوة الإيمان، القومي، عندما تتوحد الأمة خلف عقيدتها
فمعركة بدر في نظر الأستاذ/ميشيل تمثل لحظة انبعاث الأمة العربية، وانتصارًا للإرادة العربية الموحدة
يرى الأستاذ ميشيل، إن انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى، كان (بالإيمان )
الذي يعتبره تجسيدًا ( للعبقربة العربية)
لقد فسر الأستاذ /عفلق (الإسلام )كتعبير عن روح الأمة ووحدتها وقدرتها على الخلق والإبداع..
أما بالنسبة للإيمان، كقوة دافعة للتاريخ، فينظر إليه الأستاذ /ميشيل باعتبار أنه الأداة التي تخرج الأمة من حالة الجمود والتخلف إلى حالة الحركة والبناء
لقد كتب الأستاذ ميشيل عفلق عن ذكرى معركة بدر مقالة شهيرة بعنوان(ذكري بدر) ذكر فيها أن النصر في بدر تحقق لأن الصحابة تخلوا عن عصبياتهم القبلية والمناطقية، وانتصروا (كأمة واحدة) وهو بذلك يرمي إلى حقيقة واحدة مفادها أن الوحدة هي أم المعارك، فالأمة المتفرقة لا يمكنها الانتصار على عدوها مهما كان حجم عتادها وقوتها، فالانتصار الذي حدث في معركة بدر من وجهة نظر الأستاذ /ميشيل عفلق، كان تجسيدًا لشعار البعث(أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)
يواصل الأستاذ /ميشيل عفلق في قراءة لما تم في معركة بدر قائلًا، (لم ينتصر المسلمون في بدر لأنهم يملكون عدة أفضل بل لأنهم يمتلكون (إيمانًا)بهدفهم، وهذا الإيمان ليس بالضرورة أن يكون بالله فقط، بل هو الإيمان بصحة القضية، التي يق.اتلون من أجلها، فهم كانوا على يقين بأنهم يصنعون تاريخًا جديدًا، وأن ما يفعلونه هو بعث للأمة، لذلك أكسبهم يقينهم صلابة، ثم أعطاهم جرأة غير مسبوقة..
القراءة الخاصة المصطفى صلى الله عليه وسلم، استرسل فيها الأستاذ /عفلق وذلك عبر النظر إليه كفائد عربي ملهم، استطاع أن يصهر الجميع في بوتقة واحدة وجعلهم (محمديين)ثم يصف النبي صلوات ربي وسلامه عليه كرمز العبقربة، العرببة والقيادية، وهو الذي استطاع أن يستخرج من أصحابه أعلى ما لديهم من طاقات، ثم عمل على توحيدهم لينهضوا بالأمة ويرفعوا من شأنها،
إذن يرى الأستاذ /ميشيل عفلق إن الانتصار لا يأتي بدون ثمن، فالتضحبة التي حدثت في معركة بدر (الاستشهاد) تعتبر بمثابة أعلى درجات العطاء،
لذلك يرى الأستاذ /ميشيل أن الأمة لا تنهض إلا إذا كان أبناؤها مستعدين للتضحية، من أجل رفعتها وسموها، فالأستاذ/ميشيل يركز على أن الصحابة قد قات.لوا في معركة بدر بحماس غير عادي، لاعتبار أن الموت في سبيل القضية كان عندهم شرف، وليس فناء،
لقد ذكر الأستاذ /ميشيل عفلق إن انتصار بدر لم يكن معجزة، نزلت من السماء، بل كان ثمرة إرادة وتضحية ووعي إنساني، وهو بذلك يحاول تحويل المعجزة إلى أنموذجًا يحتذى به وينفي النظر إلى الأمر كحدث استثنائي لا يتكرر، وفوق هذا وذاك لا ينكر الجانب الإيماني، بل يحاول التركيز على الجانب الإنساني للمعركة..
إن الإيمان بأن الروح والأفكار هي ما يصنع التاريخ جعل الأستاذ/ميشيل عفلق، يراهن على انتصار الأمة عندما تكون مؤمنة برسالتها، ورافضة للتفسير المادي للتاريخ.

Leave a Reply