دينق قوج.. مشروع محبّة بين شعبين

صحيفة الهدف

نيالاو آيول

مرّ أكثر من عام على رحيل البرلماني والصحفي والأديب والسياسي دينق قوج، المثقّف الذي حاول أن يبني جسرًا من المحبة بين شعبين. لم يكن مجرد سياسي أو ناشط عابر؛ كان روحًا إنسانية واسعة، ومثقّفًا حمل في قلبه السودان وجنوب السودان معًا. رحل مبكرًا، لكن أثره بقي مثل ضوء لا ينطفئ. حياته في السودان الشمالي وعلاقاته الممتدة جعلت منه جزءًا من المجتمعين معًا.
انجذب إلى السياسة والفكر، لكنه ظل يحتفظ بقلبٍ أدبي يدرك أن الكلمة أحيانًا أقوى من السلاح، وأن الكتب تصنع ما تعجز عنه البيانات والخطب، ولم يتخلَّ يومًا عن صوته الحر.
شارك دينق في العمل السياسي ضمن الحركة الشعبية لتحرير السودان، ثم في الدولة الوليدة بعد الاستقلال. شغل مناصب برلمانية، وكان قريبًا من ملفات إنسانية وتنظيمية مهمّة. ومع ذلك، لم يتحول إلى سياسي نمطي؛ بقي ناقدًا صريحًا، ساخرًا حين يستوجب الأمر، ومحبًا للحقيقة أكثر من السلطة.
أسّس (دار رفيقي) للنشر، واحدة من أجمل مشاريعه وأكثرها نقاءً. لم تكن مجرد دار نشر، بل كانت خيمة ثقافية تجمع كتابًا من الجنوب والشمال، من الشتات والقرى، من الخرطوم وجوبا وواو وأم درمان وملكال. كانت فكرة (رفيقي) بسيطة ولكن عظيمة: أن نكتب لنقترب لا لنبتعد، وأن نقرأ بعضنا كي لا نخدع أنفسنا عن حقيقة الآخر.
في سنوات الحرب الأخيرة، حين عبر آلاف السودانيين إلى جنوب السودان هربًا من الموت، كان دينق في الصفوف الأمامية ينسّق ويساعد ويهاتف من يستطيع، ويفتح بابه، ويعامل كل إنسان كما لو أنه أخٌ له. هذه الروح هي ما جعلت رحيله يُبكي الجنوب والشمال معًا.
كان من أصدق من مرّوا في حياتنا، ومشروع محبّة لا يموت. إليه أقول:
دينق،
يا من كنت تمشي على التراب
كما يمشي الضوء على الماء،
خفيفًا،
نظيفًا،
نحن اليوم لا نبكي موتك،
بل نبكي الحياة التي تركتها خلفك
مكسورة قليلًا،
يتيمة قليلًا.
نقرأ صورتك
فنحس أن الغياب كذبة،
وأنك، بطريقة لا نعرفها ،
ما زلت تجلس في الصفوف الخلفية للبلاد
تكتب شيئًا
لا يريد أحد أن يسمعه:
نظّفوا قلوبكم،
فالبلد لا يسكن في الخرائط،
بل يسكن في النوايا.
سلام عليك يا دينق..
سلام على روحك،
سلام على خطواتك،
سلام على ذلك النور الخفيف
الذي تركته في الهواء
ليدلّ علينا
حين نضيع.
سلام على روحك،
يا من علّمت الأرض
أن للحق جناحين،
وللصلح لغة،
وللكلمة جذرًا
يمتد أبعد من حدود الخرائط.
وسلام على روحٍ اختارت الحياة
حتى وهي تغادرها،
سلام على روح
خرجت من ضيق العالم
إلى فسحة الخلود،
حيث لا قبيلة إلا الإنسان،
ولا وطن.. إلا الله.
* شاعرة من جنوب السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.