أمجد السيد
في زمن الح.رب، تختلط الأصوات، ويعلو الهتاف فوق التفكير، وتُختزل الوطنية في صورةٍ واحدة أن تصفّق بلا سؤال، وأن تؤيد بلا تحفظ، وأن تصمت حين ينبغي الكلام. لكن الوطن ليس شعارًا يُرفع، ولا نشيدًا يُردَّد في لحظة حماس؛ الوطن قيمة أخلاقية، ومسؤولية تاريخية، وضمير حيّ لا يقبل الظلم ولو ارتدى ثوب العلم.
في واقع السودان اليوم، ومع استمرار الح.رب العبثية بين الجيش وقوات الدع.م السريع، برز نموذج خطير من الوطنية الزائفةوطنية ترى في كل ناقد خائنًا، وفي كل سؤال مؤامرة، وفي كل دعوة للسلام ضعفًا. هذه الوطنية لا تحب الوطن بقدر ما تحب السلطة، ولا تحمي الشعب بقدر ما تحمي الرموز، حتى لو كانت هذه الرموز سببًا في النزيف.
لقد علّمنا التاريخ أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس العدو الخارجي فقط، بل العمى الداخلي. حين يقبل المواطن الفساد لأن البلد في خطر وحين يبرر الظلم لأن الوقت غير مناسب للنقد فإنه يشارك من حيث لا يدري في إطالة عمر الكارثة. فالوطن لا يُبنى بالصمت، ولا يُصان بالخوف، ولا يُحمى بتحويل الحكّام إلى مقدسات ، لم تُدمّر الح.رب البيوت فقط، بل دمّرت المعاني. صرنا نسمع من يبرر القصف لأنه ضرورة عسكرية ومن يبرر الانت.هاكات لأنها أخطاء فردية، ومن يهاجم أي صوت يدعو لإيقاف الح.رب بحجة أنه يطعن في ظهر الوطن لكن أي وطن هذا الذي يطلب منا أن نغضّ الطرف عن دم أبنائه؟ وأي وطنية تلك التي ترى الخراب نصرًا، والدمار تضحية، والتشريد ثمنًا مقبولًا؟
الوطنية الحقيقية لا تعني الاصطفاف خلف البندقية، بل الاصطفاف خلف العدالة. لا تعني الدفاع عن السلطة، بل الدفاع عن الإنسان. لا تعني ترديد الرواية الرسمية، بل مساءلتها. فالدول لا تسقط لأن فيها معارضين، بل تسقط حين يُخنق صوت النقد، ويُستبدل الحوار
بالتخوين، ويُرفع السلاح في وجه الحقيقة إن الح.رب الدائرة اليوم ليست فقط صراعًا على السلطة، بل اختبارًا لوعي المجتمع. هل نختار أن نكون جمهورًا يُصفّق للمنتصر أيًا كان، أم مواطنين يسألون لماذا بدأت الح.رب؟ من أشعلها؟ من يستفيد من استمرارها؟ ومن يدفع الثمن؟ الحقيقة أن الذي يدفع الثمن ليس الجنرالات، بل المدنيون، الأطفال، الأمهات، واللاجئون الذين حملوا الوطن في حقائبهم ومضوا.
الوطن ليس ملكًا لفصيل، ولا حكرًا على جيش، ولا ورقةً في يد ميليشيا. الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع. ومن يحب وطنه حقًا لا يقبل أن يُختطف، ولا أن يُستعمل اسمه لتبرير القمع، ولا أن يُختزل في شخص أو جماعة. فحين تتحول الوطنية إلى عبودية عمياء، تصبح أداة في يد الظالم، ويصبح السكوت شراكة في الج.ريمة.
السودان اليوم يحتاج إلى شجاعة مختلفة شجاعة الاعتراف بالأخطاء، شجاعة رفض الظلم مهما كان مصدره، شجاعة المطالبة بإيقاف الح.رب فورًا، والذهاب نحو حل سياسي يُعيد بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم الإنسان قبل السلاح. فالنصر الحقيقي ليس أن يهزم طرفٌ طرفًا، بل أن ينتصر الوطن على الحرب.
الوطنية ليست أن تقول نحن على حق دائمًا بل أن تسأل كيف نصبح على حق؟
وليست أن ترفع صوتك ضد العدو، بل أن ترفع ضميرك في وجه الخطأ.
فالوطن الذي نريده لا يحتاج إلى عبيدٍ يهللون، بل إلى أحرارٍ يفكرون.

Leave a Reply