سهل الطيب
كدّسونا زي البضاعة.. بالضبط كده..
الأستاذ واقف جنب باب الحافلة عشان نركب بانتظام، ومرات يتاوق بالشباك ويرصّنا في المقاعد زي البنّايين لما يتعبوا في الترويسة وبعداك يرصّوا الطوب مدماك مدماك. كنت عارف إنو الأستاذ كائن طبيعي وعندو إحساس آدمي وحيعمل الأشياء بصورة عادية جدًا، العادية بتاعت تتابع السحاب مع المطر والموسيقى مع اللحن. كنت عارفو حيعمل تصرّف عادي ويسمح للفاتح صاحبي يقعد في حتة كويسة.
الفاتح برضو كان تلميذ عادي، بس فيهو حاجة ما قدرت أكتشفها لحدي الآن، حاجة تخليك تتعامل معاهو كأنك شايل غرض حسّاس بتخاف عليهو يتوسّخ أو ينكسر.
اليوم داك، الفاتح حجز لي جنبو ومشينا الرحلة المدرسية. الأستاذ شاف شجرة ظليلة وسمحة وفي حتة كويسة، والغريبة رغم إنو الرحلات كانت كتيرة، الشجرة التقول حجزوها لينا. كانت شجرة جميلة تشبه صالة مغادرة في مطار فخم.
الأستاذ أمرنا بالنزول، ونزلنا حاجاتنا وفرّشناها. كل الفرحة الطفولية الكنا شايلنها في الحافلة، من بيوتنا ومدرستنا، نزلناها تحت شجرتنا وقعدنا حواليها.
لما بدينا نجهّز للفطور احتجنا لي موية، والموية في البحر. وكعادة تناوب فصول السنة، والصبر البيعقب الفجيعة، والضحكة المارقة بي فتحة الفرح.. ككل العادات الثابتة، الأستاذ اتناول الجردل وناولو للفاتح يجيب لينا الموية.
أنا ما عارف، لكن لحدي اللحظة عندي إحساس إنو الفاتح اتناول الجردل واختفى مباشرة من غير ما يسمح أقول ليهو: أنا ماشي معاك.. شال جردلو واختفى تمامًا.
بعداك الأقوال بقت كتيرة أكتر من سعة خيال تلميذ في سنة خامسة ابتدائي. قالوا بعد ما ملأ جردلو وجا مارق كوركو ليهو الشفع إنو الموية ضحلة ومفروض يخش البحر قدام. وفي ناس قالوا أغروهو يسبح معاهم شوية. وواحدين قالوا ضربتو بردة.
معتز صاحبي قال لي:
“الفاتح بحب الموية، وبكونو أولاد الموية غشّوه يغطس يعيش معاهم.”
الفاتح صرخ صرخة واحدة واختفى..
جو ناس الإنقاذ النهري. الأساتذة بكوا براهم ومنعونا نبكي. أقنعونا البكاء للصغار غلط.. وما كنا عارفين إننا حندفع غرامة تقيلة ونقضي باقي عمرنا بكا.
اليوم داك اتشجعت وسألت الأستاذ:
“الفاتح حا يجي متين؟”
قال لي:
“ناس البوليس قالوا ما حيجي.”
قلت ليهو:
“كيف؟”
قال:
“الفاتح اختفى للأبد.”
كانت أول مرة أسمع “للأبد”،
ومن ديك وبقيت أفهم إنو مسافة سبعة خطوات،
من شجرة ظليلة
لحدي خشم البحر
هي معنى الأبد.

Leave a Reply