د. معاوية الشفيع
– قميصك ده،شين وقديم.
-طيّب؟؟
– طيّب، تغيّرو.
-منين يا حسرة؟؟
ضحك مقهقهاً، أم قهقهَ ضاحكاً؟؟لا أدرى.
– آااأى عارف. بدِّيك قميصى.
هذه المرة، أنا الذى قهقهت، نظر إلىّ باسماً، بحنو أمٍّ على وليدها، وقال:
– ليك حق تضحك،هسّ أنا عاتى، وأنت وزن الريشة، لكن تصدق لمن دخلت هنا كنت بلبس قدرك؟؟
قال ذلك، ومدّ يده تحت مرتبته وفوق السرير، وأخرج قميصاً،ذو لونٍ أزرق خفيييف، وخطوط حمراء وزرقاء غامقة، أفقية.
انتبذت ركناً قصياً،داخل العنبر الطويل، خلعت قميصى “التعيس” و”امتطيت” قميصه،تأملنى مليَّا،ابتسم، وقال:
– يلَّا، تعال نعطِّرك.
– كمان؟؟؟
– أيوة، لازم تظهر بمعنويات عالية، تعجب الزوار، وتغيظ الأمنجية/الأشرار.
كان ذلك قبيل أول زيارة أحظى بها فى سجن كوبر العتيق بعد ثلاثة أشهر من انتقالنا إليه من بيت الأشباح،ذاك الذى حدثتكم عنه فى مناسبة سابقة. وكان هو، صديقى الذى اتخذته، هنا فى السجن،عوض أحمد لقمان، متردد سجون، خبير معتقلات.
كان فى العقد الخامس من العمر -فى ذلك الوقت-،شعلة من نشاط، لا يهدأ، يسعى-دوماً- للتعرف بالقادمين الجدد، لا سيما الشباب منهم، يسألهم،يحاورهم.يقدم لهم الخدمات البسيطة الممكنة فى هذا المكان، يبدد مخاوفهم ويرفع معنوياتهم.
قلت له: أنت تتحرك كثيراً، قلِق، كأنك “أم العروس”..
قال: ذلك لأننى تركت التدخين مؤخراً، كنت “أولع” السيجارة بالسيجارة. صار الأمر مؤذياً لميزانية البيت، تركته فجأة، بدون مقدمات.
سكت قليلاً ثم أضاف: تعرف أنا بديت التدخين فى سن ال35 ؟؟ قلت أعاكسه؛ والله يا عوض، دى سفاهة منك بس. قال،دون أن يلتفت لملاحظتى،؛ كنت قد بدأت ممارسة السياسة أيام تحول النميرى من ثائر ود بلد إلى دكتاتور، كامل الدموية.
-ياخى ده علاقتو بى تدخينك شنو؟؟
– ياخى “صبراً يبل الآبرى”. انت مستعجل؟؟ عندك مشوار؟؟
ضحكنا بصخب،لفت إلينا أنظار الرفاق.
– طيب.
– عرفت معتقلات ذلك المعتوه وسجونه، لكنى بقيت متفائلاً، واثقاً من حتمية الثورة عليه، والنصر.
– وبعدين ؟؟
– بعدين، جات الديمقراطية، وبعد طارت سكرة الفرح، جاءت فكرة العمل الجاد. كنت ممثلاً لحزبى،فى بعض الاجتماعات مع القوى السياسية الاخرى،.
صمت، أطلق زفرة، تلتفت يمنة ويسرة، كمن يبحث عن شىء ضيَّعه.ابتسم.
– وقفنا وين؟؟
– الاجتماعات.
– ياخى دى دايرة ليها سيجارة، المهم، كنت أجلس فى الاجتماعات، أسمع أكثر مما أتكلم. كانوا يقولون كلاماً عجاباً، كأنهم فى بلد آخر، بل كوكب آخر. انت فاهمنى؟؟
– نعم.
– صرت، عندما لا يعجبنى الكلام-وهو غالباً لا يعجبنى-، أتلفت، لا إرادياً، باحثاً عن مهرب، ولا مهرب، لكن هناك علب “برنجى” على الطاولات، أسحب سيجارة، أطلب ممن يلينى إشعالها لى، انشغل بها عن “الكلام المغتغت، وفاضى”، ألهذا، أسقطنا الجنرال؟؟، “هات سيجارة” وهكذا أصبحت مدخناً شرهاً. وقع لك؟؟
زفر، ثم تأوّه وسكت.
احترمت صمته، واضح أن اجتراره لمثل هذه الذكريات غير البعيدة، فى واقعه البئيس هذا، قد آلمه كثيراً، أكبرت فيه -حد التبجيل- إيمانه ب”قضيته”، حد التماهى..
قلت، أغيِّر مجرى أفكاره،:
– عوض،أنا ممكن أحل ليك مشكلة التدخين.
– بى شنو؟؟ بى تمباكك العفن ده؟؟
-بعمل ليك “شيشة”.
– دى شطارتك الجابتك هنا؟؟ كيف ياعبقرينو؟؟
– انت مالك؟ بس جيب لى بعض الحاجات.
– قول،
– جيب لى “برطمانية” التانق الفاضية العندك،
-وتانى؟؟
-ألطش لى مترين من خرطوش الموية البرشوا بيهو الحيشان عشان يثبتوا الغبار.
– وتانى؟؟
-خلاص، باقى الحجر والمعسل، تدى أصحابك الأمنجية يجيبوهن ليك من برة.
– ما أصحابى ولا حاجة، بس “طول الألفة العشرة”
غنّاها بصوت أجش.
لم يمض وقت طويل حتى أتانى عوض، بالخرطوش، وعلبة التانق، أحدثت، ثقبين فى غطاء العلبة، وأدخلت فيهما قطعتى خرطوش، واحدة قصيرة يوضع فوقها حجر الشيشة، والتبغ، والثانية طويلة تستخدم لجذب الدخان، وطبعاً ملأنا “البرطمانية” بالماء الى ثلثيها. فى اليوم التالى، جلب لنا أحدهم، الحجر والمعسل، صار عندنا “شيشة”، . قال عوض مبتهجاً؛” زى أبوك عديل، مش تربِّيك بس” فى إشارة للمثل الشعبى.
صرنا ، عوض وانا، نقضى الأوقات الطوال، ندخن ونسمر، فى النهار ينضم إلينا أخرون، نتحدث عن كل شىء، السياسة، الدين، الأخلاق، المرأة، الكورة، والشعر،وكل ما يفتح شهية السودانيين للتنظير.، وفى الليل، نجلس رأساً لرأس، نسهر ونتحدث، أحياناً نختلف -حد الصراخ- وأحياناً أخرى ننسجم ونضحك.
خرج عوض قبلنا، أهداني أشياءه الصغيرة، وترك لى كتاب (المنهج الحركى للسيرة النبوية)، كتاب الشيخ منير الغضبان المثير للجدل.
فرحنا له، جميعاً، لكن عندما اختفى، عن أنظارنا، غشيتنا سحابة كآبة، فقد تركنا كالأيتام.
بعد شهور طويلة خرجت من السجن، وكنوع من الأحتفاء بى، دعانى صديقى الرأسمالي، – والذى لا علاقة له بالسياسة(عشان تكونوا عارفين)- دعانى للذهاب معه لمعرض الخرطوم الدولى، الذى كان ينشط،تلك الأيام.
وبينما نسير-“يغلبنا السرور”- فى ممر طويل بالمعرض، رأيت شخصاً فى آخر الممر، يشير للناس بالسير يميناً أو يساراً، كانوا-لدهشتى-يطيعونه،بمكانيكية صامتةبحيث يخلون له وسط الممر، الذى أخذ يسير فيه بخطوات ثابتة، متجهاً نحوى، وقفت انتظر و أحدق فى هذا الرجل الغريب، وما أن صار بينه وبينى متران، حتى عرفت فيه، عوض أحمد لقمان، تعانقنا،”تقالدنا”،ضحكنا بأصوات عالية، حتى التفت إلينا كل الحاضرين، وب”استغراش” طبعاً.
قمت بتعريف صديقى بعوض، وعوض بصديقى، لكن الأخير، نظر لعوض بتركيز ثم-بعد برهة-قال:
-أنا بعرفك، اتحداك تتذكر، اتلاقينا وين؟ ومتين؟
ضيَّق عوض عينيه، فى محاولة مرهقة للتذكُّر، يبدو انها فشلت، أرخى ملامح وجهه، قائلاً:
– ذكِّرنى.
– فى السبعينات، انت كنت مطارد من أمن النميرى، جابوك(…..يين)، دسُّوك، فى بيتى.
– يااااه…صاااح، السودان ده، ضيِّق، وجمييل.
ثم تعانقنا -ثلاثتنا- من جديد.

Leave a Reply