أوجاع أبا يعقوب السناري المزمنة!!

صحيفة الهدف

 د. نائل اليعقوبابي

(ويكون الضُّحى في أوائلهِ، والنَّهارُ مطيرٌ، فإنِّي أحبُّ المطرْ، وتكونينَ حافيةً حين تأتينَ في ثوبكِ المنزليِّ، وفي حسنكِ الأبديِّ، وفي عطركِ المدَّخَرْ، وتكونُ أصابعُ كفَّيكِ جائلةً بين سحري ونحري، وغائصةً تحت شعري، وتكونُ السَّماءُ معبأةً بالقداسة، ملتصقٌ وجهُها بالشجرْ)… محمد المكي إبراهيم

يقولون إن مجرد التفاتة إلى الوراء تجعلنا نحس المدى الذي قطعناه. أغمض عينيك قليلًا واذهب بعيدًا في الماضي كي تعرف الحال الذي أنت فيه الآن. لا بد أن ثمة ضغوطًا يومية أصبحت هائلة، تجعلك مستعدًا دائمًا للهروب من اللحظة الراهنة. هكذا أفعل أحيانًا، بل إنني أصبحت في شرود عميق لا ينتهي. قبل أيام استطعت أن أعود إلى سنوات الطفولة الأولى، ما أجملها، حيث لم يكن في المشهد اليومي سوى عواصف خريفية تجعلنا نلتئم حول بعضنا خوفًا، وسراب لا ينتهي في صيف مشتعل. في قريتنا البعيدة كان حفير الإحيمر، ينبوعًا في طرف القرية، وكان المشهد اليومي لا يتعدى عجائز القرية المنهمكات في سرد الحكايات، فيما كان أهلنا يحملون الفؤوس والمعاول وعدة حرث بدائية. لم يكن التلفاز، حتى لا نظلم لغتنا الجميلة، قد وصل إلى دار العمدة، وتأخر وصول “الدش” كثيرًا، ولم تكن ثمة صحف كصحف هذه الأيام تزيدك توتراً. كانت الحياة بسيطة للغاية، وكانت الحشرات في مأمن، إذ يعتقد الناس في قريتنا بضرورتها للحياة، وهو ما يؤكده العلم بنظرية التوازن البيئي. وها أنت اليوم في مركز الضجيج، حيث لا قدرة لديك على النوم عميقًا في العافية، فهل نذهب معًا في حلم إلى آخر الدنيا؟ كان كارل ماركس يكتب في صحيفة ألمانية، نسيت اسمها الآن، في ذلك الزمن الذي تفاعل حتى جاءنا بمثل هذه الأيام المضطربة. وكان هناك من يقول إن قراءة الصحف عبادة صباحية، ولم يعد الأمر كذلك. فالصحف، بما فيها نيويورك تايمز وغيرها، تتثاءب من ثقل أقلامها وتراجع وارداتها. والسبب الأهم أن التلفزيون والإنترنت يقضيان على ما تبقى من صحافة الورق. لم تعد الصحيفة قادرة على تقديم خدمة إخبارية سريعة، لكنها ما تزال الأقدر على تقديم الرأي والتحليل. وهكذا يتقدم التحليل الإخباري والرأي يمينًا ويسارًا بما يبرر استمرارها وحضورها على طاولات المقاهي الرصيفية. وما دام الحديث قد وصل إلى الصحافة، فلا بد من إشارات: أيهما أكثر تأثيرًا: أن تقرأ أسطرًا عن مجزرة أم تشاهدها حية في موقع الحدث؟ أن تقرأ خبرًا عن تدمير منشآت نووية أم ترى الدخان يتصاعد لحظة التفجير؟ هكذا لم يبق أمام صحافة الورق سوى العودة إلى بداياتها، حين كانت صحافة رأي وأطروحات فكرية وفلسفية وقضايا ساخنة للنقاش يمينًا ويسارًا. ومثل هذه الصحافة تحتاج إلى أصحاب رأي، وإلى متخصصين في أجناسها، وإلى خطاب مفتوح على الاختلاف. الفيلسوف الفرنسي سارتر سارع إلى المشاركة في تأسيس صحيفة “ليبراسيون”، وكذلك الحال في روما حين دعت صحيفة كورييري ديلا سيرا الفيلسوف ميشيل فوكو للمشاركة في هيئة تحريرها، فالصحافة في مثل هذه الحال صناعة ثقيلة. وقد اقترح فوكو اهتمامًا خاصًا بتحقيقات فكرية ينجزها مثقفون مختلفون. ويبقى سؤال خجول عن غياب مفكرين عن صفحات محشوة بالعقول المتشابهة: هل تستيقظ الصحافة يومًا وتعود إلى وظيفها الأولى؟ وعندما انتهت أطروحاتي الحالمة، قال صديقي: ستظل حالمًا ورومانسيًا جدًا، وكأن لا سلطة ولا رقيب ولا تكميم أفواه ولا أحكام سلطانية في دنيا العرب. ثم بدأ يحدثني عن صنع الله إبراهيم، الروائي اليساري المصري، وقال: هل تذكر أن رواية (تلك الرائحة) صودرت قبل طباعتها ولم يُفرج عنها إلا بعد عشرين عامًا؟ قلت له إنني حالم ورومانسي، لكنني منذ عشرين عامًا أصبحت كالإسفلت تمامًا. وقال صنع الله إبراهيم، بعد رفضه جائزة الرواية العربية لأنها جزء من سياسات يرفضها، إنه لو كان أبًا لأطفال صغار لما تردّد في قبول الجائزة. فكيف تبدع وأنت تحت ضغط الحاجة وحاجات أخرى؟ أما زلت تقول إنك تساهم في مؤسسات ترفضها، لكن بأقل قدر ممكن من الخسائر في الموقف كي تحافظ على ما تبقى من أخلاقك؟ وقال أيضًا إنه لم يتغير شيء حتى الآن: لا تقدم في مسألة الحريات في دنيا العرب، ولا تراجع في مسألة الرقابة، علمًا بأن الإبداع حرية كاملة لا فتاتًا منها. وهكذا وجدتني أعود إلى سنوات الطفولة هاربًا من لحظة ضاغطة، فثمة جنون يقترب حتى يكاد يتحول إلى انفجارات في الرأس.

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #إبداع #د_نائل_اليعقوبابي #محمد_المكي_إبراهيم #الصحافة_الورقية #السودان #٢٠٢٦

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.