أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
لا يُختزل انتخاب قيادة قومية في حزب البعث العربي الاشتراكي في كونه إجراءً تنظيميًا دوريًا، ولا يُفهم بوصفه تبديل أسماء أو إعادة توزيع مواقع داخل هياكل الحزب، بل هو فعل سياسي–تاريخي كثيف الدلالة، يعكس وعي الحزب بذاته، وبموقعه في لحظة عربية بالغة التعقيد، ويعبّر عن استمرارية المشروع القومي بوصفه مشروعًا حيًا يتجدد ولا يُستنسخ.
إن القيادة القومية، كما أكد بيان المؤتمر القومي الثالث عشر، ليست جهازًا فوقيًّا معزولًا عن حركة الجماهير، بل هي التعبير التنظيمي الأعلى عن وحدة الحزب ووحدة قضيته، والضامن لعدم انزلاق النضال القومي إلى التفكك القطري، أو الارتهان للوقائع المجزأة التي فرضتها أنظمة التجزئة والهيمنة الخارجية.
وهذا الفهم للقيادة القومية ليس تنظيميًا فحسب، بل هو امتداد مباشر لما قرره الحزب حين اعتبر أن (وحدة القيادة تعبير عن وحدة القضية)، وأن الحزب لا يمكن أن يُدار بعقل قطري لأن قضيته ليست قطرية. فالقيادة القومية، في الفلسفة البعثية، هي الضمانة الفكرية والتنظيمية لبقاء الأمة العربية حاضرة في وعي الحزب، حتى في زمن تغيب فيه الأمة سياسيًا على أرض الواقع. ويأتي انتخاب القيادة القومية بعد أربعةٍ وثلاثين عامًا على المؤتمر القومي الثاني عشر، وفي ظل تحولات جيوسياسية عميقة، مما يمنح العملية بعدًا استثنائيًا يتجاوز الإجراء التنظيمي المعتاد.
ويتم انتخاب القيادة القومية وفق آلية ديمقراطية ينص عليها النظام الداخلي للحزب، تقوم على الترشيح من أعضاء المؤتمر القومي، والاقتراع السري المباشر، وإشراف لجنة منتخبة من المؤتمر على العملية، بما يضمن نزاهتها وشرعيتها التنظيمية.
1. القيادة القومية: (وحدة الإرادة في زمن التفكك): يأتي انتخاب قيادة قومية جديدة في وقت تتعرض فيه الأمة العربية لـ إطباق شامل على أمنها القومي، وهويتها، وقرارها السياسي، وتعيش فيه الأقطار العربية حالات تفكك، وحروب داخلية، وتدخلات إقليمية ودولية غير مسبوقة. وفي هذا السياق، يكتسب فعل الانتخاب معناه العميق، حيث إنه إعادة إنتاج الإرادة القومية الجامعة في مواجهة منطق التفتيت، وتأكيد أن الأمة، رغم ما تعانيه، ما زالت قادرة على تنظيم ذاتها، وامتلاك قيادة تعبّر عن مصالحها التاريخية لا عن توازنات الأمر الواقع.
فالقيادة القومية، ليست انعكاسًا لميزان القوى القائم، بل أداة لتغييره، وليست إدارة للأزمة، بل سعيٌ لتجاوزها عبر مشروع استنهاض قومي يستند إلى الجماهير وقواها الطليعية.
والمفارقة التاريخية العميقة أن هذه القيادة القومية تُنتخب اليوم في لحظة عربية يغيب فيها أي إطار سياسي قومي جامع، وتطغى فيها الكيانات القطرية المأزومة. وهو ما يمنح هذا الانتخاب دلالة فلسفية لافتة، فالحزب يحافظ على البنية القومية للفعل، حتى حين ينهار الإطار القومي للدولة. وهنا يتجلى الفرق بين من يتكيف مع الواقع ومن يعمل على تغييره.
وليس توصيف (القومية) هنا توصيفًا شكليًا، بل موقفًا فكريًا مقصودًا. فالإبقاء على هذا المستوى القيادي يعني رفض الاعتراف الضمني بمنطق التجزئة، ورفض اختزال النضال في حدود الأقطار. إن وجود قيادة قومية هو بحد ذاته فعل مقاومة تنظيمي لفكرة التفتيت التي تحكم الواقع العربي الراهن.
2. بين الشرعية التنظيمية والشرعية النضالية، تستمد القيادة القومية شرعيتها من مصدرين متلازمين:
الأول هو الشرعية التنظيمية المنبثقة عن المؤتمر القومي، بوصفه أعلى سلطة في الحزب، والمعبّر عن إرادة تنظيماته في الوطن العربي وخارجه.
أما الثاني، وهو الأعمق، فهو الشرعية النضالية المتراكمة من تاريخ طويل من المواجهة مع الاستعمار، والصهيونية، ومشاريع الهيمنة، ومن تضحيات جسيمة قدّمها الحزب وشهداؤه في مختلف ساحات النضال العربي.
ومن هنا، فإن انتخاب قيادة قومية لا يعني فقط منح صلاحيات تنظيمية، بل تحميل هذه القيادة مسؤولية تاريخية مزدوجة، تتمثل في صون الثوابت القومية، وتجديد أدوات النضال بما يستجيب لمتغيرات المرحلة دون الوقوع في فخ التكيّف مع الانكسار أو التطبيع مع الأمر الواقع.
3. القيادة القومية كعقل استراتيجي: يشدّد بيان المؤتمر القومي الثالث عشر على أن المرحلة الراهنة تتطلب برنامجًا مرحليًا، وآليات تنفيذ، وقدرة على استنهاض الجماهير، وبناء الجبهات القومية والوطنية. وفي هذا الإطار، تُفهم القيادة القومية بوصفها العقل الاستراتيجي الذي يربط بين الرؤية بعيدة المدى والمهام العاجلة، وبين الثابت القومي والمتغير السياسي. فهي الجهة التي يقع على عاتقها:
أ. توحيد الخطاب القومي في مواجهة خطاب اليأس والانكسار،
ب. إعادة إدخال القضية القومية في قلب الصراع السياسي والاجتماعي اليومي،
ت. تحويل البيان من نص سياسي إلى فعل منظم، ومن موقف مبدئي إلى حركة جماهيرية.
في الوقت الذي ينهض فيه البعث بعقد مؤتمره وانتخاب قيادته، نجد البعض ممن لم يسعفه إيمانه ولا تجربته في قدرة مواجهة التحديات، فغادر الإيمان لحظة امتحانه، وغادر تاريخه لحظة انكساره، وغادر البعث حين فارق وعيَ جدلية النظرية والتطبيق، وفارق الرابطَ بين الفكر والتنظيم. وتواجه القيادة القومية تحديات جسيمة، تتمثل تشرذم الساحات العربية، وصعوبة التنسيق بين الأقطار، وتضارب الأولويات المحلية مع القومية، ومن ثم التضييق الأمني في العديد من الاقطار، وتحدي التواصل مع الجيل الشاب في ظل بيئة إعلامية معادية.
وقد ربط بيان المؤتمر القومي الثالث عشر بوضوح بين انتخاب القيادة القومية وبين مسؤوليتها المباشرة في تنفيذ البرنامج المرحلي الذي أقرّه المؤتمر، وفي إدارة الحوارات الوطنية، وبناء الجبهات القومية والوطنية، وتحويل مقررات المؤتمر إلى آليات فعل سياسي منظم، مما يجعل انتخاب القيادة ليس استحقاقًا تنظيميًا فحسب، بل مدخلًا لتنفيذ مشروع نضالي متكامل.
4. دلالة الاستمرارية: (البعث أقوى من محاولات الاجتثاث): يكتسب انتخاب قيادة قومية جديدة دلالة إضافية حين يُقرأ في ضوء ما تعرض له الحزب من استهداف، لا سيما بعد قرارات اجتثاث البعث في العراق عام 2003 وما تلاها من حملات استهداف مشابهة في أقطار عربية أخرى. فإعادة انتخاب قيادة قومية، في هذا السياق، هو إعلان صريح بفشل مشاريع الإقصاء، وتأكيد أن الحزب لم يكن يومًا صنيعة سلطة ليزول بزوالها، بل تعبيرًا عن إرادة شعبية متجذرة في عمق الأمة العربية. إنها رسالة داخلية وخارجية في آن واحد (أن التنظيم القومي ما زال قائمًا، فاعلًا، قادرًا على تجديد قيادته، وعلى الإمساك بخيط الاستمرارية التاريخية بين الماضي والحاضر والمستقبل).
5. الانتقال من الشرعية إلى الفاعلية: لا يكتمل معنى انتخاب القيادة القومية بمجرد اكتمال الإجراء التنظيمي، بل يبدأ التحدي الحقيقي مع قدرتها على تحويل الشرعية التنظيمية إلى فاعلية نضالية، عبر: صياغة برامج عمل قطرية متوافقة مع الرؤية القومية، وبناء قنوات اتصال فعالة مع القواعد الحزبية، وتطوير آليات التنسيق بين الأقطار، وتحويل مقررات المؤتمر إلى ديناميات فعلية على الأرض.
ومن هنا، فإن انتخاب القيادة القومية في المؤتمر القومي الثالث عشر هو إعلان تمسّك بخيار الفعل، لا الاكتفاء بالشهادة على الانكسار، وتمسك بالإرادة، لا الانصياع لمنطق العجز.
خاتمة: لذلك، فإن انتخاب القيادة القومية في المؤتمر القومي الثالث عشر يُفهم بوصفه انتقالًا من شرعية التنظيم إلى مسؤولية الفعل، ومن رمزية البنية القومية إلى تفعيلها في الواقع السياسي العربي. إنه تأكيد أن الأمة العربية، رغم ما تعانيه من حروب وحصار وتفتيت، ما زالت تملك القدرة على تنظيم ذاتها، وإنتاج قيادتها، والدفاع عن مشروعها التاريخي. وفي هذا المعنى، فإن القيادة القومية المنتخبة ليست فقط قيادة حزب، بل تعبير عن رهان مستمر على الجماهير، وعلى المستقبل، وعلى أن خيار التراجع ليس قدرًا، وأن طريق النهوض، وإن طال، لا يزال مفتوحًا لمن يملك الوعي والتنظيم والإرادة.

Leave a Reply