استعادة فلسطين سادساً قراءة في مؤتمر التحدي الأكبر 13 لحزب البعث….

صحيفة الهدف

قلم : ماجد الغوث

من هامش التفاوض إلى قلب الصراع القومي – قراءة في بيان المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م

ما إن تُذكر فلسطين حتى تُستدعى المشاعر، لكن قلما تُستدعى العقول. هذا الفصل بين القلب والعقل هو أخطر ما أصاب القضية، وتحويلها من معادلة سياسية استعمارية إلى قضية تعاطف إنساني. بيان المؤتمر القومي الثالث عشر يحاول رأب هذا الصدع.

تناول البيان (إن بلورة هذا المشروع وترجمته في مفردات عملية هو الذي يعيد لقضية فلسطين مركزيتها في صلب قضايا النضال العربي وهو الذي يضع قضية العراق في مصاف القضية المركزية بالنظر إلى النتائج المدمرة التي ترتبت عن احتلال العراق وتدمير بنيته الوطنية على الواقع القومي برمته)

ليست فلسطين قضية من بين قضايا، ولا ملفًا يمكن تأجيله أو إدارته وفق ميزان المصالح المرحلية، بل هي مركز الصراع العربي الحديث، والنقطة التي تتكثّف عندها أسئلة الوجود والهوية والسيادة. ومن هنا، يكتسب تأكيد بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي على مركزية فلسطين معناه العميق، بوصفه استعادة واعية للبوصلة القومية في زمن كادت فيه الاتجاهات أن تضيع.

في الفكر البعثي، لم تكن فلسطين يومًا قضية تضامن، ولا ملف صراع حدود، بل كانت الامتحان التاريخي لوعي الأمة بذاتها. فالأمة التي تقبل بعزل فلسطين عن مشروعها القومي، هي أمة تقبل بعزل نفسها عن تاريخها ورسالتها. ومن هنا، فإن مركزية فلسطين لا تنبع من مظلوميتها، بل من كونها المعيار الذي تُقاس به درجة حضور الأمة في التاريخ.

لقد كان أحد أخطر ما أصاب الوعي العربي خلال العقود الأخيرة هو نقل فلسطين من موقع القلب إلى موقع الهامش. لم يتم ذلك دفعة واحدة، بل عبر مسار طويل من التفكيك، حيث تم  تحويل القضية من مسألة تحرر قومي إلى نزاع حدودي، ومن صراع وجود إلى ملف تفاوضي، ومن شأن عربي جامع إلى عبء محلي على شعب أعزل. وحين تُعزل فلسطين عن عمقها العربي، لا تُضعف وحدها، بل يُفتح الباب واسعًا أمام تفكيك المنطقة بأكملها.

وليس حضور فلسطين في الوعي العربي وليد النكبة عام 1948، ولا نتاج الصراع المعاصر فحسب، بل هو امتداد تاريخي عميق ارتبط بموقع هذه الأرض في الضمير الحضاري للأمة. فمنذ معركة حطين عام 1187م التي أعادت القدس إلى الفضاء العربي الإسلامي، إلى عين جالوت عام 1260م التي أوقفت الزحف المغولي نحو قلب المشرق، ظلّ الدفاع عن هذه الجغرافيا تعبيرًا عن الدفاع عن هوية المنطقة ومصيرها.

وفي العصر الحديث، لم تتوقف فلسطين عن كونها بؤرة اشتباك تاريخي، من حرب 1948 وما تلاها من تهجير وتشريد، إلى معركة الكرامة عام 1968 التي أعادت الاعتبار لفكرة الصمود العربي، إلى الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وصولًا إلى جولات المواجهة في غزة. هذه المحطات، على تباعدها الزمني، تكشف حقيقة واحدة: أن فلسطين لم تكن يومًا قضية حدود، بل ساحة اختبار متكرر لقدرة الأمة على الدفاع عن ذاتها. وحين تُقرأ هذه الوقائع في سياقها التاريخي، يتضح أن محاولة اختزال فلسطين في ملف تفاوضي حديث ليست إلا قطيعة مع قرون من الوعي العربي الذي رأى في هذه الأرض خط الدفاع الأول عن وجوده الحضاري.

ويتجلى هذا التحويل في محطات تاريخية واضحة، من مرحلة إدارة الحرب بوصفها مسؤولية الجيوش النظامية للدول العربية بعد 1948 إلى مؤتمر مدريد 1991 الذي حول الصراع إلى مفاوضات ثنائية، ومن ثم إلى مبادرة السلام العربية 2002 التي قبلت بإطار القرار 242، وصولاً إلى اتفاقيات أوسلو 1993 التي اختزلت القضية في سلطة حكم ذاتي محدود.

لم يكن الخلل في مسار التفاوض أنه لم يُحقق نتائج، بل في أنه قام على افتراض يناقض الفلسفة القومية ذاتها: افتراض أن الصراع مع المشروع الص.هيوني يمكن اختزاله في نزاع حدودي. بينما يراه الفكر البعثي صراع مشروعين تاريخيين: مشروع أمة ذات رسالة حضارية، ومشروع استيطاني وظيفي وُضع ليمنع هذه الأمة من أن تكون.

ينطلق البيان من إدراك واضح لهذه الحقيقة، في  أن المشروع الصهيوني لم يكن يومًا مشروعًا فلسطينيًا محضًا، بل مشروعًا استيطانيًا وظيفيًا، وُضع في قلب الوطن العربي ليكون أداة دائمة لإعادة تشكيل المنطقة، وضرب وحدتها، واستنزاف قدراتها. لذلك، فإن التعامل مع فلسطين خارج إطار الصراع القومي الشامل هو، في جوهره، قبول غير معلن بقواعد اللعبة التي فرضها العدو.

لذلك، فإن عزل فلسطين عن إطارها القومي لم يُضعف القضية الفلسطينية فحسب، بل ضرب الفكرة القومية في أساسها. لأن فلسطين في الوعي البعثي ليست جزءًا من الوطن العربي، بل هي النقطة التي تتكثف عندها معاني الوحدة والحرية والرسالة.

وهذا ما تؤكده الوثائق الدولية، حيث اعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الصهيونية شكلاً من أشكال العن.صرية (القرار 3379، 1975)، قبل أن يُلغى تحت ضغوط سياسية عام 1991، في دلالة واضحة على تحولات موازين القوى الدولية لا على تغيّر حقيقة الوصف.كما أن نظام الفصل الع.نصري الإس.رائيلي يشكل انت.هاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني حسب تقارير الأمم المتحدة المتتالية منذ 2017.

ويعيد المؤتمر القومي الثالث عشر التأكيد على أن فلسطين هي معيار الصدق القومي. فالمواقف منها تكشف حقيقة المشاريع، وتفضح الخطابات. من يساوم عليها، يساوم على الأمة، ومن يقبل بعزلها، يقبل بعزل أي قطر عربي عند أول اختبار، ومن يختزلها في تضامن لفظي، يساهم—بقصد أو بغير قصد—في إفراغها من معناها التحرري.

لكن البيان لا يتعامل مع فلسطين بوصفها رمزًا ثابتًا، بل بوصفها قضية حيّة تتطلب تجديد أدوات الفعل. فالمقاومة الفلسطينية، التي شكّلت عبر تاريخها رافعة وعي عربي، تواجه اليوم محاولة مزدوجة، في  محاولة سحقها عسكريًا، ومحاولة تطويعها سياسيًا. وفي مواجهة ذلك، يؤكد المؤتمر أن المقاومة ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة تاريخية، وأن دعمها لا يكون بالشعارات، بل بإعادة إدماجها في سياقها العربي الطبيعي.

وحيث يتطلب التجديد الفعلي الانتقال من المقاومة التقليدية إلى، مقاومة قانونية دولية (ملاحقة جرائم الحرب)، مقاومة اقتصادية (مقاطعة شاملة)، مقاومة ثقافية (حماية الرواية التاريخية)، ومقاومة سياسية (بناء تحالفات دولية جديدة مع الجنوب العالمي.

إن أخطر ما في المرحلة الراهنة هو محاولات تطبيع الهزيمة، لا التطبيع السياسي فقط. أي تحويل القبول بالأمر الواقع إلى عقلانية، والمساومة إلى واقعية، والتخلي إلى حكمة سياسية. وهنا يأتي دور الفكر القومي كما يطرحه البيان: كقوة نقدية تفضح هذا الانقلاب في المفاهيم، وتعيد تسمية الأشياء بأسمائها. فالتخلي ليس سلامًا، والتطبيع ليس استقرارًا، وتهميش فلسطين ليس طريقًا إلى التنمية، بل مدخلًا لمزيد من الارتهان.

ويربط المؤتمر القومي الثالث عشر بين فلسطين وسائر ساحات الصراع العربي. فما جرى ويجري في العراق، وسوريا، ولبنان، والسودان، واليمن، ليس منفصلًا عن محاولة كسر الحلقة المركزية للصراع. فحين تُستباح دولة عربية، أو تُفكك، أو تُدفع إلى حرب أهلية، فإن ذلك يخدم—بشكل مباشر أو غير مباشر—إزاحة فلسطين عن مركز الوعي، وتحويل الصراع إلى نزاعات داخلية لا نهاية لها.

من هنا، فإن استعادة فلسطين إلى قلب المشروع القومي لا تعني تجاهل الأزمات الأخرى، بل فهمها ضمن سياق واحد. فالأمن القومي العربي، كما يؤكد البيان، لا يتجزأ، وأي اختراق في قطر هو اختراق في الجسد كله. وفلسطين، بوصفها الخاصرة المكشوفة، تبقى الاختبار الأكثر حساسية لهذا الفهم.

إن ما يدعو إليه المؤتمر القومي الثالث عشر ليس العودة إلى خطاب عاطفي مستهلك، بل إعادة بناء معنى فلسطين في الوعي العربي المعاصر، فلسطين كقضية تحرر، كمرآة للكرامة، وكشرط لإعادة توازن الأمة العربية مع ذاتها ومع العالم. وحين تستعاد فلسطين إلى هذا الموقع، لا تعود عبئًا، بل تصبح مصدر قوة، ورافعة وعي، ونقطة انطلاق لمشروع تحرري عربي متجدد.

إن استعادة فلسطين إلى مركز المشروع القومي ليست استعادة قضية، بل استعادة تعريف الأمة لنفسها. فحين تعود فلسطين إلى موقعها الطبيعي، تعود معها مفاهيم الوحدة، والمصير المشترك، والرسالة التاريخية، ويستعيد الفكر القومي منطقه الداخلي الذي تعرّض للتفكيك طوال عقود.

ففي عالم لا يحترم إلا الأقوياء، لا تُقاس قوة الأمة بعدد بياناتها، بل بقدرتها على حماية قضيتها المركزية. وفلسطين، كما يذكّرنا المؤتمر القومي الثالث عشر، ليست مسألة تضامن، بل مسألة مصير.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.