د. جمال الجاك
تحت سماء الخرطوم والجزيرة والفاشر، لم تعد أصوات النحيب هي التي تطغى على المشهد، بل يسود صمتٌ مريب، أثقل من وقع القذائف نفسها. في البدء، كان خبر الموت يهزّ أركان المجتمع، أما اليوم، فقد تحوّلت المجازر إلى “إشعارات” عابرة على شاشات الهواتف، يتصفّحها السوداني ببرودٍ يثير التساؤل: هل قست القلوب، أم أن وراء هذا الجمود مأساة نفسية أعمق من الدموع؟
صمّام أمان.. لا قسوة قلب.. يؤكد علماء النفس أن ما يمرّ به الإنسان السوداني اليوم ليس “قسوة”، بل هو ما يُعرف بـ(التخدّر النفسي). (Psychic Numbing) هي آلية دفاع غريزية يلجأ إليها العقل حين تتجاوز الفواجع قدرته على الاحتمال. الجهاز العاطفي، تمامًا مثل أسلاك الكهرباء، يحترق إذا زاد الجهد عليه، فيقوم “بفصل التيّار” كليًا لحماية الوعي من الانهيار الكامل.
يقول أحد النازحين واصفًا حاله: “في الشهور الأولى كنت أبكي على جارٍ فقد منزله، اليوم أسمع بموت العشرات من معارفي فأكمل شرب شاي الصباح.. لستُ شريرًا، لكنني لم أعد أشعر بشيء”. هذا هو (الإنهاك العصبي)، حيث استنزف الخوف المستمر مخزون الأدرينالين، وترك الإنسان في حالة من (الفراغ الوجداني).
لغة “ماتت” وطقوسٌ اختُصرت لقد طال الخراب حتى اللغة؛ فالمصطلحات التي كانت تهزّ الوجدان مثل “استشهد” أو “اغتيل” فقدت وزنها العاطفي، وأصبحت جزءًا من روتين الكلام. عبارة واحدة مثل “حصل كده” باتت تكفي لشرح أبشع الجرائم. هذا الاختزال اللغوي يعكس رغبة العقل في عدم الغوص في التفاصيل المؤلمة.
وحتى (بيت البكا) السوداني، ذلك الطقس الاجتماعي الذي كان يمتد لأسابيع لامتصاص الأحزان، انكمش ليصبح عزاءً سريعًا عبر (الواتساب) أو مكالمة مقتبضة. هذا “الحزن المؤجّل” هو القنبلة الموقوتة التي يخشاها المختصون، فالألم الذي لا يُعاش ولا يُبكى يختبئ في خلايا الجسد ليظهر لاحقًا على شكل أمراض مزمنة أو انفجارات نفسية غير مبررة.
جيل “تطبيع الدم”: أي إنسانٍ ينتظرنا؟ الأكثر رعبًا في هذا المشهد هو جيل الأطفال والمراهقين. في مناطق النزاع، يلعب الصغار بقطع من الرصاص، ويحاكون أصوات “التدوين” في ألعابهم. لقد تشكّل لديهم وعي مبكر يرى الموت “قدرًا يوميًا” لا يثير الفزع. إن غياب رد فعل الطفل تجاه الدمار يعني تآكل (حاسة التعاطف) في مهدها، مما يطرح سؤالًا وجوديًا: أي مجتمع سيبنيه هؤلاء بعد الـ ح.رب؟ وهل سيكون البرود هو العملة السائدة في تعاملاتهم؟
الدين كـ”مُسكّن” أم كقوة؟ يلحظ المراقبون اتساع فجوة التسليم القهري تحت شعار “قدر الله وما شاء فعل”. ورغم أن الإيمان هو حائط الصد الأخير للسودانيين، فإن استخدامه كجملة (إغلاق نفسي) يمنع الناس من مواجهة حقيقة ألمهم. لقد تحوّل الدين في حالات كثيرة من وسيلة للتعافي إلى وسيلة لـ(تخدير) الوجع، بحيث يُعتبر الحزن ضعفًا في الإيمان، مما يدفع الناس لدفن مشاعرهم أحياءً.
الخاتمة: حين يغدو البرود خطرًا إن البرود الذي نلمسه في الشارع السوداني اليوم هو (استراتيجية نجاة)، لكنه علامة خطر اجتماعي؛ فالمجتمع الذي يكفّ عن الغضب الأخلاقي تجاه الخراب يصبح عرضة لقبول الـ ع.نف كأمر واقع.
حين لا يبكي السودانيون، فليس لأنهم أصبحوا “جبالًا من صبر”، بل لأنهم أُنهكوا إلى حدٍّ لم يعد فيه البكاء يكفي. إنهم بحاجة إلى “أمان” طويل الأمد ليعيدوا اكتشاف دموعهم، وليدركوا أن فقدان الإحساس هو الموت الحقيقي الذي يسبق رصاصة الـ ح.رب.
#ملف_الهدف_الثقافي #السودان #سيكولوجية_الـ_ح.رب #الصحة_النفسية #الخرطوم #الجزيرة #الفاشر #الوعي_الاجتماعي #صحيفة_الهدف #لا_للـ_ح.رب

Leave a Reply