بدون ألوان // حمدي صلاح الدين
درست الابتدائية والمتوسطة في مدينة سنار بكل ألقها وروعتها وجمالها. “سنار” الطيبة والتاريخ والثقافة وهي المدينة الحاضرة في الخاطر لأنها شكلت لنا حجر الزاوية في الثقافة والرياضة والفنون.
وتتلمذنا في المدرسة المتوسطة على أيدي أهرام في التعليم والتربية أمثال الأساتذة بشير بري، حافظ علي البشير ، نادر علي عثمان ، مجدي عرابي، عبد العظيم مهدي يوسف، حسن مصطفى الخير ، أيمن شمبول وبقية العقد الفريد النضيد.
وكانت دار النشر بجامعة الخرطوم وقتها تنظم معرضاً سنوياً للكتب في المدينة تحديداً في نادي الشعلة بسنار ، وكان المعرض يستمر لمدة شهر تباع فيه الكتب بربع القيمة أو اقل دعماً لطقس القراءة.
كنا نشتري الكتب بالعشرات سنوياً ضمن فعاليات هذا المحفل، روايات نجيب محفوظ وأنيس منصور وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وغيرهم من الكتاب إضافة إلى روايات ملكة الج.ريمة “أجاثا كريستي”.
أذكر جيداً أننا جيل تشكّل وجدانه على أحاجي الحبوبات وعلى مصادر المعرفة الحيّة في رباعية “البيت، المدرسة، الشارع، الإعلام التقليدي”.
وأسهمت هذه المصادر، التي كانت تشرف عليها مؤسسات اجتماعية مثل التلفزيون، الراديو، ومجلات الأطفال
“الصبيان، ماجد، سمير، ميكي ماوس والكتب بأنواعها المختلفة”في إخراج نسخ مكرّرة من جيلنا، إذ كان السلوك العام شبه موحّد بسبب
“مصادر المعرفة الواحدة” و”طريقة التربية الواحدة”.
وفي هذا محمدة ومذمّة قد نعود لها يوماً ما.
جيلنا كان حجر الزاوية في تشكيل ثقافته الحوش الكبير. كان يتحلّق حول الجدّة لتقصّ عليه الأحاجي الليلية وتزرع في نفسه، مع الجد، قيم الكرم والمروءة والتسامح وإعلاء شأن الدين والأخلاق الكريمة.
لم يتشكّل وجداننا على شبكات التواصل الاجتماعي، فلم يكن هناك فيسبوك أو تويتر أو إنستغرام. كنّا قبل “لبن العشاء” و”صلاة العشاء”، وقبل التحلّق حول حبوبتنا الحاجة آمنة عليها رحمة الله، نتابع “جزيرة الكنز” و”جين أيير” و”كيف وأخواتها” لشريف العلمي، ثم “جريدة المساء” و”جراب الحاوي” لمحمد سليمان ونكابد النعاس لنشاهد “الجوارح” و”الكواسر” لنجدة إسماعيل أنزور.
كنّا نقرأ الكتب من المنتج إلى المستهلك بلا وسيط إلكتروني، ولم يكن هنالك إنترنت ولا فضائيات، فكان الواحد منا يقف في صالات السينما ليصفر “بالخنصر والسبابة” لإلهام شاهين ونجلاء فتحي وليلى علوي، في فعل يراه كثيرون اليوم “شيطانياً”.
لم يكن هناك إنستغرام أو بث مباشر أو هواتف ذكية أو يوتيوب أو صور لجينيفر لوبيز اوأنجلينا جولي اوجوليا روبرتس أو كيم كارداشيان.
ودراسات التفكير الإبداعي (Creative Thinking) أثبتت أن قراءة الكتب الورقية أفضل من النسخ الإلكترونية. وهذا موضوع آخر سنعود له تفصيلاً بإذن الله.
نعود إلى البريطانية ماري كلاريسا ميلر كريستي الشهيرة ب”أجاثا كريستي”
المولودة في 15 سبتمبر 1890م،
والمعروفة ب”ملكة الجريمة” وبطل رواياتها البلجيكي “هركيل بوارو”.
قدمت أجاثا كريستي رواياتها بصورة ممتعة رائعة ساعدها في ذلك خلفيتها الطبية حيث استخدمت خبرتها في مجالها السابق “التمريض” في كتابة الرواية.
عملت أجاثا كريستي ممرضة متطوعة ايام الح.رب في مستشفى بريطاني ثم انتقلت للعمل في مختبر كيميائي بالمستشفى، حيث كانت تحضر وتصنع الأدوية كما تعلمت تحضير الغازات والأدوية الكيميائية فاكتسبت بذلك معرفة كيميائية دقيقة وتعلمت تحضير السموم، ودرست تأثيرها على البشر.
خلال عملها في مختبر المستشفى في الح.رب العالمية الأولى، تعرّفت أجاثا كريستي على “السموم الدوائية
والجرعات القات.لة
والأعراض الواقعية للتسمم” وهذا جعل حبكة رواياتها مقنعة علميًا وليست خيالية.
هذه الخبرات ظهرت بجلاء في روايات أجاثا كريستي تحديداً في روايات مثل:
The Mysterious Affair at Styles (1920)
وتعتبر أول رواية لأجاثا كريستي وكانت تدور حول جريمة قتل باستخدام سم الستريكنين، وظهر في الرواية الوصف الدقيق للأعراض والوقت والجرعة وذلك نابع من خبرتها الطبية، وفي هذه الرواية ظهر البطل البلجيكي هركيل بوارو لأول مرة.
وفي رواية Sparkling Cyanide (1945)
كان السم المستخدم: السيانيد، وأظهرت كريستي تفاصيل دقيقة عن سرعة التأثير والوفاة، وهذه الرواية تُدرَّس أحيانًا كنموذج لاستخدام السم في الأدب البوليسي.
وفي رواية Sad Cypress (1940)
استخدمت كريستي التسمم باستخدام المورفين، وكانت الرواية تمثل تحليلاً طبياً وقانونياً دقيقاً للأعراض، تحليل اظهر فهمها العميق للفروقات بين الجرعات العلاجية والقاتلة.
وفي رواية Five Little Pigs (1942)
جعلت أجاثا حبكة الرواية كجريمة قتل بالسم وركزت تركيزاً قوياً على الزمن وتأثير السم بعد تناوله.
لذا كانت الج.رائم في روايات أجاثا مختلفة لأنها لا تعتمد على العنف المباشر،
بل تعتمد على الذكاء والتخطيط والأعراض الواقعية، حتى إن الصيادلة والأطباء أشادوا بدقتها.
وعن براعتها في كتابة روايات الغموض والإثارة قال عنها روبرت ماكنالي “أجاثا كريستي تعرف كيف تضع القارئ في متاهة، لتفاجئه في النهاية بطريقة لا يمكن التنبؤ بها.”
وقال عنها جون لويس، أستاذ الأدب البريطاني:
“خبرتها في الكيمياء والطب خلال الح. رب جعلتها تخلق ج.رائم واقعية علميًا، وهو ما يميز رواياتها عن أي روايات بوليسية أخرى.”
وقالت عنها الكاتبة والمحررة مارغريت تالبوت:
“هركيول بوارو وميس ماربل ليسا مجرد محققين، بل شخصيات ذات حياة ونفسية غنية تجعل القارئ متعلقًا بهم.”
و قالت عنها نيويورك تايمز:
“أجاثا كريستي لم تكتب روايات بوليسية فحسب، بل وضعت معايير عالمية لكتابة الألغاز والتحقيقات.”
توفيت اجاثا كريستي في الثاني عشر من يناير 1976م عن عمر 85 عامًا وفاة طبيعية،
نتيجة التقدم في السن مع مضاعفات صحية عامة، ودفنت في كنيسة سانت ماري (St. Mary’s Church)،
بقرية قرية تشولوكوت مقاطعة أوكسفوردشير بإنجلترا

Leave a Reply