في معنى النضال والمناضل 

صحيفة الهدف

 

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليس النضال في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي فعلَ احتجاجٍ عابر، ولا بطولةً خطابية تُستهلك في المنابر، بل هو حالة وعي تاريخي دائم، وموقف أخلاقي من الذات قبل أن يكون صراعًا مع الخصم. فالمناضل البعثي لا يُعرَّف بما يرفعه من شعارات، بل بما يحمله من فهمٍ للرسالة، وما يترجمه من التزامٍ عمليٍّ تجاه الأمة العربية وقضاياها.

النضال، في جوهره، ليس اندفاعًا عاطفيًا ولا فعل اعتراضٍ معزول، بل هو الجهد المصحوب بالتضحية في سبيل الأمة وجماهيرها، وهو بهذا المعنى امتحان للوعي قبل أن يكون امتحانًا للشجاعة. فلا يكتسب صفة المناضل إلا من استوعب حاجات شعبه، وأدرك تطلعاته التاريخية، وتقدّم الصفوف لتحقيقها مع الجماهير لا نيابةً عنها، متقدّمًا بدوره ووعيه واستعداده للتضحية، غير هيّاب ولا متردّد.

ومن هنا، فإن النضال مشقّة محتومة، وإن كان غير مرغوب فيها بطبيعتها، لا ينهض بها إلا من آمن بدور الأمة وحقها في الحياة الحرة الكريمة. فبهذا الإيمان وحده تستعيد الأمة مكانتها ودورها الإنساني، ويتحرر الإنسان من تراكمات التخلف التي فرضتها مرحلة الانقطاع الحضاري، لتنطلق طاقاته، وتُوظَّف ممكناته في اتجاه تحقيق ذاته، ذاتٍ مرتبطة تاريخيًا برموز أمته ومعناها، لا بذاته الفردية المعزولة. وظيفتها: تأسيس تعريف أخلاقي–تاريخي للنضال قبل الانتقال إلى التنظيم والسياسة.

وفي هذا السياق، لا ينفصل النضال عن التنظيم، بوصفه الإطار الجماعي الذي يحوّل الوعي الفردي إلى قوة تاريخية. فالنضال البعثي لا يُمارَس في الفراغ، ولا يكتمل دون التزام وانضباط، لأن الحرية في الفهم البعثي لا تعني الفوضى، بل المسؤولية، ولا تعني الانفلات، بل الوعي بالواجب.

وإذا كان النضال فعل وعيٍ وتضحية، فإن التنظيم هو شرط تحققه التاريخي. إذ لا تتحول الإرادة الفردية، مهما بلغت صدقها، إلى قوة تغيير حقيقية ما لم تُصهر في إطارٍ جماعيٍّ منضبط. فالتنظيم، في الفكر البعثي، ليس جهازًا إداريًا ولا قيدًا بيروقراطيًا، بل هو الشكل الواعي الذي يحمي النضال من التبعثر، ويصونه من التحوّل إلى بطولة فردية أو انفعال عابر.

ومن دون التنظيم، يتحوّل النضال إلى طاقة مهدورة، ويغدو الوعي معزولًا، ويُختزل الفعل السياسي في ردود أفعال آنية لا تملك أفقًا تاريخيًا. أما التنظيم الواعي، فيحوّل النضال من موقف أخلاقي إلى مسار، ومن احتجاج إلى مشروع. وظيفتها: الانتقال المنطقي من تعريف النضال إلى شرطه العملي.

لقد نشأ مفهوم النضال في الفكر البعثي مرتبطًا بسؤال النهضة العربية: لماذا تخلّفت الأمة؟ وكيف تستعيد موقعها في التاريخ؟ ومن هنا، لم يكن النضال ردَّ فعل على ظلمٍ آنيٍّ فحسب، بل فعلًا واعيًا لإعادة بناء الإنسان العربي، بوصفه شرطًا سابقًا على تحرير الأرض، وبوابةً لتحرير الإرادة.

المناضل البعثي: (من حامل الشعار إلى حامل الرسالة): في التصور البعثي، المناضل ليس مجرد عضوٍ تنظيمي، ولا مقاتلٍ في لحظة صدام، بل ذاتٌ واعية بالرسالة الخالدة، مدركة لعلاقتها بالتاريخ والمستقبل. فالمناضل هو من: يفهم وحدة الأمة العربية بوصفها قدرًا تاريخيًا لا أمنية رومانسية، ويرى في الحرية شرطًا للكرامة لا ترفًا سياسيًا، ويؤمن بالعدالة الاجتماعية باعتبارها أساس الاستقرار لا منحة سلطوية.

بهذا المعنى، يصبح النضال مسؤولية عقلية وأخلاقية قبل أن يكون فعلًا ميدانيًا. فكل من يحمل الفكرة دون أن يحوّلها إلى سلوك، أو يرفع الشعار دون أن يترجمه إلى موقف، يفرّغ النضال من معناه، ويحوّل البعث من رسالة إلى لافتة.

ولا تتحقق علاقة النضال بالتضحية إلا عبر الإيمان الواعي، ذلك الإيمان الذي لا يكتفي بالتصديق، بل يستدعي الالتزام، ويُنتج شعورًا عميقًا بالمسؤولية. فالتضحية، في معناها البعثي، ليست اندفاعًا أعمى، ولا إنكارًا للذات، بل تحمّلًا واعيًا لتبعات الموقف، واستعدادًا لتحمّل كلفة الانحياز للأمة في لحظات الخطر.

ومن دون هذا الوعي، تتحوّل التضحية إلى استعراض، ويتحوّل النضال إلى مغامرة، وتفقد المسؤولية معناها. أما حين يقترن الإيمان بالوعي، يصبح النضال فعل التزامٍ طويل النفس، لا يتراجع أمام الصعوبات، ولا يساوم على الجوهر. وظيفتها: الربط بين الأخلاق والسياسة، وبين الإيمان والفعل.

أحد أخطر التحديات التي واجهت التجربة البعثية تاريخيًا، ليس القمع الخارجي ولا المؤامرات وحدها، بل تحوّل الانتماء عند بعض المنتسبين من وعيٍ نقدي إلى هوية جامدة. وهنا تبرز ضرورة إعادة تعريف البعثي لنفسه، من الانتماء إلى الوعي. فالبعثي، في جوهر الفكرة، ليس من يكرّر النصوص، بل من يعيد فهمها في ضوء الواقع. وليس من يحتمي بالماضي، بل من يستحضره ليغيّر الحاضر. فالفكر القومي، إن لم يُمارَس بوصفه عقلًا حيًّا، يتحوّل إلى أيديولوجيا مغلقة، ويفقد طاقته التحررية. فإعادة تعريف البعثي لذاته تبدأ من السؤال:

هل أنا حامل للفكرة أم أسير لها؟ وهنا يكمن الفارق بين مناضلٍ يُنتج السياسة، ومنتسبٍ يستهلكها. كما يتجلّى ذلك حين يختبر المناضل مواقفه اليومية: في موقعه التنظيمي، في علاقته بالرفاق، في تعاطيه مع الخلاف، وفي قدرته على تقديم المصلحة العامة على الاعتبار الشخصي.

في فكر حزب البعث، لا قيمة للفكرة إن لم تتحوّل إلى سياسة، ولا معنى للنضال إن لم يُترجَم إلى برنامج فعل. فالنضال ليس تأمّلًا فلسفيًا معزولًا، بل جهدٌ منظم لتحويل الوعي إلى قوة اجتماعية. وهنا يتجلّى البعد العملي للنضال البعثي وذلك من خلال: تحويل الوحدة من شعار إلى مسار تاريخي، وتحويل الحرية من مطلبٍ أخلاقي إلى نظام سياسي، تحويل الاشتراكية من حلمٍ عدالي إلى بنية اقتصادية منصفة.

إن أخطر ما يُصيب الحركات الثورية هو انفصال الفكر عن السياسة، وتحول النضال إلى حالة وجدانية بلا أدوات. فالمناضل البعثي، كما تصوّره الفكرة، هو من يملك القدرة على الانتقال من التحليل إلى القرار، ومن الموقف إلى التنظيم، ومن الرفض إلى البديل.

غير أنّ تحويل الفكرة إلى سياسة لا يتم خارج التنظيم، بل من خلاله. فالتنظيم ليس قيدًا على وعي المناضل، بل أداته الجماعية للفعل. والانضباط الحزبي، حين يكون نابعًا من الاقتناع لا الخوف، يتحول من طاعة شكلية إلى التزام واعٍ، ومن هيكل إداري إلى مدرسة نضال.

المتغيّر والثابت: (جدلية النضال في الفكر البعثي): يمتاز فكر حزب البعث بتمييزه الواضح بين الثابت والمتغيّر، وهو تمييز جوهري في فهم النضال. فالثابت في النضال البعثي يتمثل في: وحدة الأمة العربية، ومركزية الحرية، والعدالة الاجتماعية، ورفض التبعية والاستعمار بكل أشكاله.

أما المتغيّر، فهو: أشكال النضال، وأدوات العمل السياسي، وصيغ التنظيم، وتكتيكات المواجهة والتحالف. فالمناضل الحقيقي هو من يتمسك بالثوابت دون أن يقدّس الوسائل، ويطوّر أدواته دون أن يفرّط في جوهر الفكرة. وكل نضالٍ يتجمّد عند أدوات الماضي يفشل، كما يفشل كل نضالٍ يبدّل الثوابت بدعوى الواقعية.

في زمن التفكك العربي، والاستلاب الثقافي، وتحوّل السياسة إلى إدارة أزمات، يعود سؤال النضال ليكون سؤال معنى قبل أن يكون سؤال فعل. فهل ما نسمّيه نضالًا اليوم هو فعل تغيير، أم مجرد ردود أفعال؟ وهل المناضل هو من يصرخ أكثر، أم من يفهم أعمق، ويصبر أطول، ويعمل بصمت؟ إن النضال في فكر حزب البعث ليس بطولة فردية، بل مسار جماعي طويل النفس، يتطلب وعيًا، وتنظيمًا، وقدرة على النقد الذاتي. ومن دون هذا، يتحول النضال إلى إنكار للواقع، أو إلى حنينٍ عقيم للماضي.

والنضال، في بعده الأعمق، هو الفعل الذي يجعل الأمة تلتقي بماضيها دون أن تُستعبد له، وتدرك حاضرها دون أن تستسلم له، وتتقدّم نحو مستقبلها دون أوهام. فهو استحضارٌ واعٍ للتجربة التاريخية، لا بوصفها ذكرى، بل بوصفها طاقة فهم، وميزان نقد، وبوصلة توجّه الفعل.

بهذا المعنى، لا يكون النضال حنينًا إلى الماضي، ولا قطيعة معه، بل فعل تجاوزٍ خلاق، يعيد وصل الزمن العربي بذاته، ويحوّل التاريخ من عبءٍ على الوعي إلى أفقٍ للفعل. وظيفتها: إعداد القارئ فلسفيًا للخلاصة النهائية، وربط النضال بالزمن التاريخي.

في الخلاصة، يمكن القول إن النضال في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي هو فعل وعيٍ وتحويلٍ ومسؤولية، والمناضل هو ضمير الفكرة حين تُختبَر في الواقع. فحين يظل البعثي وفيًّا للثوابت، مرنًا في الوسائل، ناقدًا لذاته، قادرًا على تحويل الفكرة إلى سياسة، يبقى البعث مشروعًا حيًّا لا ذكرى. أما حين ينفصل النضال عن العقل، وتتحول الرسالة إلى شعارات، يفقد المناضل صفته، وتفقد الفكرة قدرتها على صنع التاريخ. والبعث، في جوهره، لم يكن يومًا حزبًا فقط، بل سؤالًا مفتوحًا عن معنى أن تكون الأمة العربية فاعلة لا مفعولًا بها، والنضال هو الطريق الوحيد للإجابة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.