د.نائل اليعقوبابي
في زمنٍ اختلطت فيه القيم، لم يعد الفرق واضحاً بين من يملك المعرفة ومن يملك الصوت الأعلى. صار الضجيج بديلاً عن العمق، والاستعراض بديلاً عن الإنجاز، وامتلأت المنصات بأصنام صغيرة تصنعها “الأنا” المتضخمة، وتُقدَّم على أنها نماذج للوعي والنجاح والحكمة، بينما يقف الحقيقيون في الظل، لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم يعرفون أن القيمة لا تحتاج إلى مكبرات صوت.
الشخصية المثمرة لا تعلن عن نفسها، لأن ثقتها نابعة من الداخل لا من تصفيق الخارج. هي شخصية تعمل، تكتب، تفكر، تبحث، وتترك أثرها في صمت يشبه صمت الجبال. أما الشخصية الجوفاء فهي تعيش على الإعلان الدائم عن ذاتها، على تلميع صورتها، على تضخيم إنجازات صغيرة، أو اختلاق إنجازات لم تقع أصلاً. هي شخصية لا تحتمل الفراغ الداخلي، فتملؤه بالادعاء.
الثورة الحقيقية اليوم ليست سياسية ولا عسكرية، بل ثورة وعي ضد “تقديس التفاهة”، ضد تحويل النرجسية إلى بطولة، والادعاء إلى ثقافة، والسطحية إلى معرفة. نحن نعيش في عصر صار فيه من يتكلم أكثر يُعتبر أعمق، ومن يظهر أكثر يُظن أنه أحق، ومن يكرر نفسه بصوت أعلى يُعتقد أنه يملك الحقيقة.
الشخصيات النرجسية لا تبحث عن المعرفة، بل عن السلطة الرمزية. لا تريد الفهم، بل الهيمنة. لا تريد الحوار، بل التصفيق. هي ترى نفسها مركز الكون، وتقيس قيمة الآخرين بمدى انعكاس صورتها في أعينهم. ولهذا فهي لا تحتمل العقول الحرة، ولا تحب المتواضعين، لأن التواضع يفضح خواءها، والصمت العميق يكشف ضجيجها.
أما الشخصية العالِمة الحقيقية فهي نقيض ذلك تماماً، فكلما ازدادت معرفة، ازداد تواضعها، كلما تعمقت في الإنسان، صغرت “أناها”، كلما اتسعت رؤيتها، ضاقت رغبتها في الادّعاء. المعرفة لا تصنع متكبراً، بل تصنع منكسراً أمام عظمة الجهل الإنساني. والمعرفة لا تصنع متعالياً، بل تصنع متسائلاً دائماً.
أما الشخصية الجوفاء فتحتاج جمهوراً، بينما الشخصية المثمرة تحتاج معنى. الأولى تعيش على المرايا، والثانية تعيش على الجذور. الأولى تصرخ: “انظروا إليّ”، والثانية تهمس: “انظروا إلى الفكرة، لا إلى صاحبها”. أخطر ما في الشخصية الجوفاء أنها لا تعرف أنها جوفاء. هي تعتقد أن كل من يختلف معها مريض، ومن لا يصفق لها جاهل، ومن لا يعترف بأهميتها حاسد. تبني حول نفسها نظاماً مغلقاً من التبرير، فتتحول إلى معبد صغير، وكهنة هذا المعبد هم الإعجاب السريع والمعلومة السطحية والمفردات المستعارة بلا فهم.
أما المُثمر الحقيقي، فهو لا يحتاج إلى معبد، لأنه يعرف أن الحقيقة لا تُعبد بل تُبحث، ولا تُملك بل تُخدم. هذا المقال ليس هجوماً على أشخاص، بل على نمط وجود أفرزته الأزمات. ليس محاكمة لأسماء، بل محاكمة لثقافة جعلت من النرجسية شجاعة، ومن الاستعراض ذكاءً، ومن الصراخ حكمة.
نحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية ومعرفية حقيقية تعيد الأشياء إلى أحجامها:
- أن تعود المعرفة بالوعي لا وسيلة للتفوق الزائف.
- أن يعود التواضع قوة لا ضعفاً.
- أن يعود الصمت دليلاً على الامتلاء لا الفراغ.
- أن يعود الإنسان معياراً بعمقه لا بسطوع صورته.
العظمة الحقيقية لا ترفع صوتها، والفكر الحقيقي لا يتباهى، والقيمة الحقيقية لا تحتاج أن تقول: “أنا قيمة”. هي تُرى.. حتى وإن لم تتكلم. ليست الثقافة منصة للتعالي، ولا الأدب ساحة لاستعراض العضلات اللغوية، ولا المنبر الأدبي حلبة لتصفية الحسابات الصغيرة. الأدب، في جوهره، فعل إنساني قبل أن يكون فعلاً معرفياً، رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهارة بلاغية، ومسؤولية وجدانية قبل أن يكون شهرة أو لقباً أو تصفيقاً عابراً لمنمقات أدبية تنتهي فور انتهاء الحديث.
أخطر ما يصيب المشهد الأدبي والثقافي ليس الجهل الصريح، بل الجهل المتنكر بثوب المعرفة. ليس الصمت، بل الضجيج الفارغ والمؤقت. ليس غياب الإبداع، بل محاربته حين يولد خارج القطيع.
ثمة من يحفظ بعض المصطلحات، ويرصّ بعض الأسماء، ويستعير بعض العناوين الكبيرة، ثم سرعان ما يظن نفسه وصياً على الفكر الأدبي، وحارساً على بوابة الإبداع، وقاضياً يصدر الأحكام باسم الأدب، وهو لم يذق بعد مرارة السؤال، ولا تواضع البحث، ولا خشوع الوقوف أمام النص الحقيقي.
أنصاف المثقفين أولئك لا يخافون من الخطأ بقدر ما يخافون من المختلف. لا يرعبهم الضعف، بل يرعبهم التفوق. لا يستفزهم الرديء، بل يفضحهم القلم المغمس بحبر التجربة.
لذلك تراهم يتحصنون في شللية مغلقة، يوزعون الأدوار فيما بينهم: هذا ناقد، وذاك فيلسوف، والثالث شاعر زمانه، وكلهم مرايا، يلمّعون بعضهم بعضاً، ويصنعون من الفراغ هالة، ومن التكرار مجداً وهمياً، ومن الاستعلاء هوية.
أما حين يدخل إليهم صوت أدبي صادق، أو موهبة حقيقية، أو كتابة لا تشبههم، يتحول المنبر إلى محكمة، والاختلاف إلى جريمة، والإبداع إلى تهديد يجب سحقه بالسخرية أو التشويه أو الإقصاء.
الأديب الحقيقي لا يرفع صوته، بل يرفع أسئلته. لا يحتقر أحداً، لأنه يعرف أن الكلمة وُجدت لتُنقذ لا لتُهين، أو تُهان. المثقف الحق لا يحتاج إلى قطيع يصفق له، لأن ضميره هو جمهوره الأول. من يتخذ الأدب أداة للتنمر، أو الاستعلاء، أو تصفية الغرائز الصغيرة، لم يفهم بعد معنى الثقافة. هو بذلك لا يحمي المنبر، بل يدنسه. لا يرفع الوعي، بل يعمق الرداءة، مهما بدا صوته عالياً، أو لغته منمقة، أو حضوره متكرراً في اللقاءات الأدبية.
الأدب ليس بطاقة عضوية في نادٍ مغلق، وليس لقباً يُمنح لمن ينافق أكثر، وليس سلطة لقمع المختلف. الأدب مسؤولية: أن تحمي الهش، لا أن تكسره. أن تفسح المجال، لا أن تحتكره. أن تصغي قبل أن تحكم، وأن ترى في الآخر احتمالاً للجمال، لا تهديداً لمكانتك.
حين يفقد المنبر الأدبي روحه الإنسانية، يتحول إلى مسرح للادعاء، وساحة للتسلط الناعم، ومقبرة للأصوات الصادقة. وحين تغيب الأخلاق عن المعرفة، يصبح الأدب مجرد زينة لغوية فوق فراغ أخلاقي عميق.
ليس كل من كتب أديباً. وليس كل من تحدث في الأدب صار وصياً. الأديب الحقيقي هو من يترك في المكان بعد حضوره مساحة أوسع للحرية، لا أضيق. طمأنينة أكبر، لا خوفاً. وأملاً في الإبداع، لا ندماً على الحضور.
حين يصبح الداخل إلى تلك (الملتقيات الأدبية) نادماً، فاعلم أن المشكلة ليست فيه، بل في من صادر روح المنبر، وحوّل الأدب من رسالة إنسانية إلى امتياز شللي، ومن فضاء للحوار إلى غرفة مغلقة للغرور. الأدب الذي لا يُنقذ محاولات الإبداع، لا تستحق تسميته. الأدب الذي لا يحمي كرامة المحاولة، ليس أدباً بل قناع. و(الأديب) الذي لا يتواضع أمام الحقيقة، ليس إلا مدّعياً متقناً لدورٍ لا يشبهه.
#ملف_الهدف_الثقافي #نائل_اليعقوبابي #النرجسية_الثقافية #أخلاقيات_الأدب #صحيفة_الهدف #السودان

Leave a Reply