المهندس عادل خلف الله*
الإجابة على السؤال أعلاه، ودون عزلها عن العمق والشمول الذي بلغته الأزمة الوطنية، يشيح النقاب عن تلاشي الفوارق بين جذرها المتسلط المستبد باسم السلطة من جهة، وبراعمها الميتة، المتسلطة هي الأخرى باسم المعارضة، ويسلط ضوءاً كاشفاً عن أسباب الدعوة لتصفية القوى المتمسكة ببرنامج ومرجعية قوى الإجماع الوطني.
- لقد أسهم اختلاط الأوراق وتداخل الخنادق على علو صوت براعم الاستبداد حتى توهمت أنها إكسير الحياة، وحينما أزفت ساعة اتضاح الخيط الأبيض من الأسود لم بدّ من اعتبار معركتها في الوصول للسلطة من مواقع المعارضة، إلا باستعارة أدواتها التسلطية وإتقان فوضى الأولويات، حيث يطرح السؤال: ما الذي يجعل البراعم، ومن مواقع المعارضة، تعتبر معركتها الأساسية داخل قوى الإجماع، الحالة الرمزية للمعارضة الوطنية السودانية، ومع القوى الأكثر تمسكاً بالموقف السياسي للإجماع الوطني (إسقاط النظام) ووسيلته (الانتفاضة والعصيان المدني)…؟
- لا ينفي جوهر السؤال رفع الشعارات والمناورة بها لخدمة مشروع التسوية المطروح، كانت الخطوة الأولى للتسلط والاستبداد باسم السلطة الانقلاب الأول في 30/6/1989، بإزاحة النظام التعددي المنتخب. وللمزيد من الاستفراد والتسلط، تم التخلص من عراب الانقلاب وأباه الروحي بقرارات رمضان الشهيرة التي فتحت شهية التسلط والاستبداد السلطوي إلى المضي قدماً بالإزاحة الناعمة لمن أسهموا في التخلص من الأب الروحي ولو اقتضى ذلك الاستعانة المباشرة أو غير المباشرة بالأب الروحي.
- الغاية تبرر الوسيلة لمن أصبحت السلطة دينه ودنياه. برزت تجليات ذلك فيما عرف بالتشكيل الوزاري الأخير، وما يزال الحبل على الجرار. على الضفة الأخرى بدأت براعم التسلط من موقع المعارضة زحفها بالتشويش على مرجعية البديل الديمقراطي لقوى الإجماع، بإعادة إنتاج سيناريو مارس 1990 (الاستقواء بتكتيك حملة السلاح) بما عرف بالفجر الجديد دون التعلم من تجربتها السابقة، والتي وصلت حد تبني مواقف وأطروحات الحركة الشعبية، بما فيها ما سمي بتقرير المصير لجنوب السودان، تمهيداً لفصله، فلا هي تعلمت من الوعي بالتاريخ ولا اجتهدت لتقدم ما يقنع شركاءها، بقضية الجمع بين طريق الانتفاضة الشعبية وخيار حمل السلاح، وحينما صدمت بموقف البعث والعديد من القوى الوطنية، تراجعت عن فجرها القديم ودون أن تتخلى، لتعيد النفخ فيه وتمريره مجدداً وبحركة مكوكية خارج ساحة النزال، بنداءات من عواصم شتى، مما وراء الحدود والبحار، في تناقض صارخ مع الوعي بالتاريخ، ومع فكرة برنامج الحد الأدنى، الذي يعني وفق التجارب واللوائح التمسك بوحدة قواه وأهدافه من خلال التعبير عما متفق عليه، ودون أن يلغي ذلك الاستقلالية السياسية والتنظيمية لأطرافه وحقها في إقامة ما تراه من أنشطة أو مواقف أدنى أو أعلى من برنامج الحد الأدنى، ولكن بشخصيتها الاعتبارية ومن منبرها المستقل، تلك بديهيات لا تغيب عن حادب.
- وحتى يلتقي البرزخان لابد من التخلص من الموقف الوطني المستقل، الذي يعتبر معركته الأساسية مع الديكتاتورية وبدائلها الزائفة، ومن أجل مصلحة الغالبية الساحقة من الشعب، وإن عجز التسلط والاستبداد السلطوي عن تصفية الموقف الوطني الجذري الذي يفصح عنه البعث والقوى الوطنية المتمسكة براية إسقاط النظام وعبر الانتفاضة الشعبية لينفتح مسار التطور الوطني السلمي لمجابهة ركائز وقوى التخلف والتفتيت والتبعية، ستسقط لا محالة أي محاولة متقازمة من براعم التسلط والاستبداد باسم المعارضة. والعين -كما تقول الأمثولة الشعبية- لا تعلو على الحاجب، وحدها المصالح الضيقة، والاستخفاف بوعي وإرادة الجماهير، هي التي تدفع بقوى التسلط والاستبداد بشقيها للتنكر لمعطيات الواقع وعبر التجربة النضالية لشعب السودان.
- لم يعبر شعب السودان بانتفاضته الصامتة، إبان ما سمي بالانتخابات، عن عزلة للتسلط والاستبداد السلطوي فحسب، وإنما عن استعداده لرفض وعزل كل من يسعى لإطالة أمد معاناته بتعزيز التسلط بمسمى جديد. الانتفاضة أقرب إلى التحقق الآن من أي وقت مضى، ومؤشرات ذلك لا تحصى. لذلك استشعرت القوى الحريصة على مصالحها وامتيازاتها، في الداخل والخارج، الخطر على مستقبلها ومصالحها فأعدت العدة لإعادة تأهيل نظام الرأسمالية الطفيلية وترميمه، حقيقة أدركتها قطاعات واسعة وسط الشعب وعبرت عنها وما تزال.
- هل يصلح العطار ما أفسده نضال الشعب وتضحياته ومعاناته؟ لا توجد الآن منطقة وسطى، وبهذا الوعي والإيمان توضع الأمور في نصابها، وتسمى الأشياء بمسمياتها. فليتطاول الراغبون في التطاول، يظل الموقف الوطني المستقل والمخرج السلمي الديمقراطي سماءً لا لحاق لهم بالنيل منها، طريق الانتفاضة وبهدف إسقاط النظام، للإتيان ببديل وطني ديمقراطي تقدمي، هو طريق الشعب ومصالحه وقيمه العليا، بالتحرر من قوى التسلط والاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقطع الطريق على بدائلها الزائفة، وفق تقاليده وإرادته.
لا تصالح ولو منحوك الذهب…
أترى حين أفقع عينيك…
وأضع مكانهما جوهرتين هل ترى…؟
تلك أشياء لا تشترى..
- وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وتصغر في عين الكبير الكبائر وتكبر في عين الصغير الصغائر رحم الله أمل دنقل وأبو الطيب المتنبي…. وسلام على شعبنا حتى تضع الـ ح.رب أوزارها ويسقط التسلط والاستبداد.
- “الهدف” تعيد نشر مقال المهندس عادل خلف الله المعتقل في سجون النظام منذ 8 يناير 2018.

Leave a Reply