إيمان عبد الله بريمة
كنا نتساءل دومًا بفضول طفولي: لماذا يلقبونها أم در؟ هل لأن سماءها تمتلئ ليلاً بالدرر؟ أم لأن أسواقها قبيل العيد تضج بالجلاليب البيضاء؟ أم لأن هناك درةً يحفها النيل، كما قال إدريس جماع في مطلع قصيدته «توتي»؟
اليوم وبعد كل هذا الوقت أظنني اكتشفت الإجابة؛ لأن لديها درة واحدة، كبيرة، دافئة، حارقة. شمس تجعلنا نخرج من أسفلها وكأننا في سباق ماراثون، نسير تحتها لاهثين، فتفسد خضار البائعة، ونتصبب عرقاً منذ التاسعة صباحاً، وأشعتها تصبغنا.
رغم أن الهواء لا يزال بارداً والسماء مظلمة، أخرج رأسي من النافذة مرة أخرى، فيصفع الهواء البارد وجنتيّ، فأشعر بالألم… وأستمتع. نمر بالشارع الرئيسي، وبجانبه أرض خلاء تتراقص فيها الرياح بعنفوان. تلتف السيارة، فأرى منزلاً جميلاً: حوائط منخفضة، نوافذ مقوسة، أركان ناعمة، مضيء ومليء بالحركة. ثم نواصل الطريق طويلاً… طويلاً.
أشد على عباءتي السوداء، وأتساءل: أي يوم غريب هذا؟ ومتى امتلكت الجرأة الكافية للخروج ليلاً من دونك؟ رغم أنكِ كنتِ من تملئين قلبي هلعاً، وأنتِ تتشبثين بذراعي طوال طريق العودة. أما زلتِ تذكرين كيف كنتِ تزجرينني عن الركض نهاراً في الشارع؟ كبرنا الآن. بتنا نتشح بالسواد، ونسير بخطوات محسوبة: خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الخلف، ونصف خطوة بمحاذاة الحائط.
أتذكرين حين كنتِ تسيرين نحوي تدندنين بلحن أغنية، فأرفع صوتي وألتقط الكلمات، فتبدئين بالغناء معي، وتهتزين يميناً ويساراً؟ اليوم، وأنا أندفع نحو القدر، اصطدم رأسي بالشماعة؛ فيباغتني طيف تلك الشماعة البيضاء المختبئة خلف الباب؛ التي كنا نعلّق عليها ملابسنا السوداء ذاتها. صاحبة الساق المكسورة التي كانت تنحرف فجأة، فتسقط ثيابنا. نرفعها مجدداً، نلتقط الملابس قطعة قطعة، ونعيد ترتيبها بالوزن.
تصرخين وأنتِ تدفعينها عنك: «قطعة هنا!» فأجيبك: «لا… لا، هنا!». هذه الذكريات هي ما يجعلني أستمر، هي ما يوقظني كل صباح في هذا الوضع البائس. جمالها وحلاوتها هما ما يمنحني القدرة على تجاوز هذه المرارة. لا أعلم أين أنتِ الآن، لكنني أعلم أنكِ بخير. تعرفين طبعي، ومع ذلك أود أن أعرف حقاً: هل تشتاقين إليّ، أم لتلك الذكريات فقط؟ وهل تلك الذكريات هي ما يجعلك تتحركين تحت ثيابنا السوداء؟
كنا نحتفظ بأحلامنا هناك. نقيّدها، نضمّها، ونخفي أسرارنا ومشاعرنا، وجهات نظرنا، ورؤيتنا للعالم. كل شيء كان يختبئ تحت العباءة السوداء. ليتنا عرفنا كيف نرتديها. ليتنا عرفنا كيف نرتديها لنحتشم بها… لا لنختبئ تحتها، ولا لنقمع أحلامنا.
عزيزتي، أقول لكِ: ارتديها الآن. ارتديها لتحتشمي بها، لكن لا تجعليها تكمّم صوتك، ولا تمنعك من أن تطلبي ما تستحقينه.
#ملف_المرأة_والمجتمع #أم_درمان #ذكريات #السودان #كتابات #صوت_النساء #العباءة_السوداء #أدب_سوداني #وجدان

Leave a Reply