شعب عريق وتراث متجذّر (3) لماذا كان يُعادى فرديناندو مارتيني شعب النارا؟

صحيفة الهدف

محمد إسماعيل أنقا – كاتب وشاعر اريتري

ورد في الحلقة الماضية أن السلطات الإيطالية في إريتريا عمدت إلى طمس القوانين العرفية ونظم الحكم التقليدية الخاصة بقبيلة النارا بشتى السبل، واستخدمت التهميش والتجاهل المتعمد كسلاح لتدمير شعب النارا.

وقد عادى مارتيني شعب النارا في كتابه (إريتريا في إفريقيا الإيطالية)، حيث أخفى الحقائق ومرّر أفكارًا مضلّلة في محاولة لتشويه صورة النارا، ووصمها بالبدائية والهمجية والتخلف. كان يقول، على سبيل المثال: “جماعة النارا هم من الرعيان”، “جماعة النارا هم من الغزاة المجرمين”، “النارا مقريب، لا زعيم لهم”، وأن النارا والكوناما عاشوا طويلاً بدون زعماء وكانوا يستنيرون بآراء كبارهم عند الحاجة، وأحيانًا يشن عليهم غارات وهمية من صنع خياله. فلماذا كل هذا الهجوم والازدراء؟ وما المشكلة؟ ولماذا اختلق فرديناندو مارتيني الأكاذيب وتصرّف بهذا النحو المريب الذي لا يليق بمقامه المرموق؟

يكمن السبب في شعوره بالحرج الشديد لعدم ترحيب النارا مقريب بالطليان، ووقوفها ضد قراراتهم التعسفية، واعتراضها على التهجير القسري للقرى والترتيبات الإدارية الجديدة التي فرضتها، ورفضها في البداية لتعيين أراي عقبا زعيمًا على القبيلة، وغيرها من الأسباب الأخرى.

أدى هذا الموقف إلى قيام الحكومة الاستعمارية بحملات اعتقالية واسعة وسط شعب المقريب بالقاش وبأسر، وترحيل بعض الأعيان والفرسان إلى مصوع، والزج بهم في سجن نخرا بدهلك، مما أثار موجة من الغضب وسط المقريب، وأدى إلى انسحاب الملك علي حامد أب سوميت إلى داخل الأراضي السودانية، احتجاجًا على ممارسات السلطات الاستعمارية التي حاولت القبض عليه واعتقاله هو أيضًا.

هذا ما دفع مارتيني إلى تجاهل الحقائق واللجوء إلى الالتفافات والتلفيقات الممجوجة الخالية من النزاهة والتجرد، تعبيرًا عن حالة الاستياء التي كانت تعتريه، تمامًا كحالة المجرم الذي يريد إخفاء آثار الجرائم التي ارتكبها.

أعربت النارا مقريب عن موقفها الرافض لما جاءت به الحكومة الإيطالية من إجراءات بعدم التجاوب التام. فلم تكن زعامة المقريب من بين الزعامات التي ذهبت للسلام على مارتيني ورفاقه في أغردات، وهذا ما أغضبه بشدة. كما أن الزعماء الذين تلقوا الهدايا والهبات في مصوع كان أراي عقبا يمثل عشيرته (الهجر – البارا) تحديدًا، ولم يعين حينها ناظرًا على القبيلة من قبل الطليان إلا فيما بعد. وقد سجلت قبيلة الكوناما غيابًا تامًا وامتنعت عن المثول نهائيًا، لأنها أيضًا لم تكن راضية عن فكرة زعامة شيخ أراي عليها، وكانت منزعجة من ذلك أشد الانزعاج.

أخذ التعامل مع الأحكام العرفية لقبيلة النارا عند الطليان طابعًا سياسيًا، كإجراء احترازي لتبرير التجاوزات الكبيرة والمظالم التي ارتكبتها في حق شعب النارا، مع الادعاء بأنها صاحبة فضل في تعيين أراي عقبا زعيمًا على قبيلة كانت تعيش في السابق بدون زعماء. وذلك لأن التعرف على الأحكام العرفية الداخلية لقبيلة النارا يكشف عن وجود سلطة ملكية وأنظمة حكم متقدمة وتاريخ حضاري يمتد آلاف السنين، ويفضح الأكاذيب ويكشف هشاشة المبررات التي كانت تتذرع بها الحكومة الإيطالية آنذاك، مشيرة إلى أنها نفس أنظمة الحكم التي انتقلت في فترة الفونج كما هي، بلغتها وكل ألقابها ومصطلحاتها الإدارية من مملكة دجن بغرب إريتريا إلى حوض النيل الأزرق (مملكة سنار)، جمهورية السودان الحالية.

لقد شهدت حضارة النارا أكبر عملية نصب وتزوير وتزييف يمكن أن تصيب أمة في تاريخها، وبما أن تاريخ النارا مفتوح على المنطقة كلها وله امتدادات، فقد قام عدد من موظفي إدارة السودان المدنية من الإنجليز بكتابة عدد من المقالات عن السلطة في سنار، ونشروها في مجلة السودان في المدونات والرسائل في العقد الرابع من القرن العشرين، في معركة احتدم فيها النقاش والجدل حول أصل البيت السلطاني، دون التوصل إلى رأي قائم على وجهة نظر علمية. ما يزيد الطين بلة، أن الكتّاب صاروا يعتمدون كليًا على هذه المقالات في تناول تاريخ مملكة سنار، ونسخوا عليها نسخًا دون الخروج عنها.

#ملف_الهدف_الثقافي #النارا #تاريخ_اريتريا #مملكة_سنار #فرديناندو_مارتيني #تراث #أحكام_عرفية #إريتريا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.